مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لإحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى ، أولى من الحكم بوقوع النسخ مرارا ، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فإنه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو ؟ فلا بد لها من المبين ، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص ، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية / الحبس مخصصا لآية الجلد ، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ثلاثة أوجه :
الأول : آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم ، فظهر أن الذي قلناه هو الحق الذي لا شك فيه .
الوجه الثاني : في دفع كلام الرازي : انك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية الجلد متقدمة على
قوله : « خذوا عني »
فلم قلت إنه يجب أن تكون هذه الآية متأخرة عنه ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ذلك ؟ وتقديره أن قوله :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
مخصوص بالإجماع في حق الثيب المسلم ، وتأخير بيان المخصص عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة ، لما أنه يوهم التلبيس ، وإذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا لنزول قوله :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
وعلى هذا التقدير سقط قولك : ان الحديث كان متقدما على آية الجلد .
هذا كله تفريع على قول من يقول : هذا الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة ، فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة ، وأما على قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة واللّه أعلم .
المسألة الخامسة : القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم سؤالات :
السؤال الأول : ما المراد من قوله :
مِنْ نِسائِكُمْ
؟
الجواب فيه وجوه : أحدها : المراد ، من زوجاتكم كقوله :
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ
[ المجادلة :
3 ] وقوله :
مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ
[ النساء : 23 ] وثانيها : من نسائكم ، أي من الحرائر كقوله :
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ
[ البقرة : 282 ] والغرض بيان أنه لا حد على الإماء . وثالثها : من نسائكم ، أي من المؤمنات ورابعها : من نسائكم ، أي من الثيبات دون الأبكار .
السؤال الثاني : ما معنى قوله :
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ
؟
الجواب : فخلدوهن محبوسات في بيوتكم ، والحكمة فيه ان المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز ، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا ، وإذا استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا .
السؤال الثالث : ما معنى
يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
والموت والتوفي بمعنى واحد ، فصار في التقدير : أو يميتهن الموت ؟
الجواب : يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت ، كقوله :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ *
[ النحل :
38 ]
قُلْ / يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
[ السجدة : 11 ] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن .
السؤال الرابع : انكم تفسرون قوله :
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
بالحديث وهو
قوله عليه الصلاة والسلام : « قد جعل اللّه لهن سبيلا البكر تجلد والثيب ترجم »
وهذا بعيد ، لأن هذا السبيل عليها لا لها ، فان الرجم لا شك أنه أغلظ من الحبس .
والجواب :
أن النبي عليه الصلاة والسلام فسر السبيل بذلك فقال : « خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا