يَأْتِيانِها مِنْكُمْ
يكون أيضا في الزنا ، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح ، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى . الرابع : أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله :
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
بالرجم والجلد والتغريب ، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن . قال تعالى :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[ البقرة : 286 ] وأما نحن فانا نفسر ذلك بأن يسهل اللّه لها قضاء الشهوة بطريق النكاح ، ثم قال أبو مسلم : ومما يدل على صحة ما ذكرناه
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان »
واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : الأول : أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا ، والثاني : أنه
روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : « قد جعل اللّه لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد »
وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة . الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط ، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة .
والجواب عن الأول : أن هذا اجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد ، وهو من أكابر المفسرين ، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز .
والجواب عن الثاني : أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز .
والجواب عن الثالث : أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على الوطي ؟ وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالإثبات ، فلهذا لم يرجعوا إليها .
المسألة الرابعة : زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة ، وقال أبو مسلم : إنها غير منسوخة ، أما المفسرون : فقد بنوا هذا على أصلهم ، وهو أن هذه الآية في بيان حكم الزنا ، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين : فالأول : أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما
روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خذوا عني خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفي والثيب تجلد وترجم »
ثم إن هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي : لا ينسخ واحد منهما بالآخر .
والقول الثاني : أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد .
واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال : القول الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على
قوله : « خذوا عني »
لما كان
لقوله : « خذوا عني »
فائدة فوجب أن يكون
قوله : « خذوا عني »
متقدما على آية الجلد ، وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد ، فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر .
واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين : الأول : ما ذكره أبو سليمان الخطابي في معالم السنن فقال :
لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث البتة ، وذلك لأن قوله تعالى :
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
يدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل اللّه لهن سبيلا وذلك السبيل كان مجملا ، فلما
قال صلى اللّه عليه وسلم : « خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى »
صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما