ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه ، وأنه يقال : سمعت كلام فلان أو قوله .
المسألة الرابعة : هاهنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟
وجوابه : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للايمان ، ونظيره قولك : مررت بهاد يهدي للإسلام ، وذلك لأن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإطفاء النائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فإذا قلت ينادي للايمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته .
المسألة الخامسة : قوله :
أَنْ آمِنُوا
فيه حذف أو إضمار ، والتقدير : آمنوا أو بأن آمنوا ، ثم حكى اللّه عنهم أنهم قالوا بعد ذلك :
فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنهم طلبوا من اللّه تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء : أولها : غفران الذنوب ، وثانيها : تكفير السيئات ، وثالثها : أن تكون وفاتهم مع الأبرار . أما الغفران فهو الستر والتغطية ، والتكفير أيضا هو التغطية ، يقال : رجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى به ، والكفر منه أيضا ، وقال لبيد :
في ليلة كفر النجوم ظلامها
إذا عرفت هذا : فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد .
أما المفسرون فذكروا فيه وجوها : أحدها : أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب ، وثانيها : المراد بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنف ، وثالثها : أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة ، ورابعها : أن يكون المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنبا ، وبالثاني : ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنبا .
وأما قوله :
وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
ففيه بحثان : الأول : أن الأبرار جمع بر أو بار ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ، الثاني : ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين : الأول : أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة ، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الاعتقاد ، والثاني : يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف ، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا . والثالث : أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله :
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
[ النساء : 69 ] .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني قوله تعالى حكاية عنهم :
فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
والاستدلال به من وجهين : الأول : أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقاً ، ثم إن اللّه تعالى أجابهم إليه لأنه قال في آخر الآية :
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
[ آل عمران : 195 ] . وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة .
والثاني : وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا ، فعند هذا قالوا : فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله :
فَاغْفِرْ
فاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد الايمان سبب لحسن طلب المغفرة من اللّه ، ثم إن اللّه تعالى أجابهم اليه بقوله :
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
فدلت هذه الآية على أن مجرد الايمان سبب لحصول الغفران ، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم