تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
المسألة الأولى : في قوله
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ
قراءتان إحداهما : تعلمون من العلم ، وهي قراءة عبد اللّه بن كثير ، وأبي عمرو ، ونافع والثانية :
تُعَلِّمُونَ
من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة وكلاهما صواب ، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم ويعلمونه غيرهم ، واحتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين الأول : أنه قال :
تَدْرُسُونَ
ولم يقل تدرسون بالتشديد الثاني : أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول هاهنا واحد ، وأما الذين قرءوا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره : بما كنتم تعلمون الناس الكتاب ، أو غيركم الكتاب وحذف ، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام كثيراً ، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين الأول : أن التعليم يشتمل على العلم ولا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني : أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم للّه تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمداً صلى اللّه عليه وسلم بذلك فقال :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
[ النحل : 125 ] ويدل عليه قول مرة بن شراحيل : كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن . المسألة الثانية : نقل ابن جني في « المحتسب » ، عن أبي حيوة أنه قرأ تدرسون بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء ، قال ابن جني : ينبغي أن يكون هذا منقولًا من درس هو ، أو درس غيره ، وكذلك قرأ وأقرأ غيره ، وأكثر العرب على درس ودرس ، وعليه جاء المصدر على التدريس . المسألة الثالثة : ( ما ) في القراءتين ، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل ، والتقدير : كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب ، ومثل هذا من كون ( ما ) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
[ الأعراف : 51 ] وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانياً والسبب لا محالة مغاير للمسبب ، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً ، وأمراً مغايراً لكونه عالماً ، ومعلماً ، ومواظباً على الدراسة ، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه للّه ، وتعليمه ودراسته للّه ، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع / الأفعال طلب مرضاة اللّه ، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب اللّه ، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته ، وحاصل الحرف شيء واحد ، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق ، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه . وعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات اللّه عليهم أن يأمر غيره بعبادته . المسألة الرابعة : دلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً ، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « نعوذ باللّه من علم لا ينفع وقلب لا يخشع » . ثم قال تعالى :
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة وابن عامر
وَلا يَأْمُرَكُمْ
بنصب الراء ، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على
ثُمَّ يَقُولَ
وفيه وجهان أحدهما : أن تجعل ( لا ) مزيدة والمعنى : ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون اللّه ويأمركم أن تتخذوا الملائكة
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 272 | فخر الدين الرازي