وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
ويجوز أن يعود على ( من ) لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وهاهنا سؤالان :
السؤال الأول : بتقدير ( أن ) يكون الضمير عائداً إلى الفاعل وهو ( من ) فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ، فإنهم يكتسبون محبة اللّه تعالى .
الجواب : الأمر كذلك ، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم ، وهو ما أخذ اللّه عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولو اتقوا اللّه في ترك الخيانة ، لاتقوه في ترك الكذب على اللّه ، وفي ترك تحريف التوراة .
السؤال الثاني : أين الضمير الراجع من الجزاء إلى ( من ) ؟ .
الجواب : عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير .
واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد ، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر اللّه ، والشفقة على خلق اللّه ، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معاً ، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق ، فهو شفقة على خلق اللّه ، ولما أمر اللّه به ، كان الوفاء به تعظيماً لأمر اللّه ، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد ، كما يمكن في حق الغير يمكن أيضاً في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات ، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 77 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 )
اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً الأول : أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في / أموال الناس ، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة الثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم
يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ آل عمران : 75 ] ولا شك أن عهد اللّه على كل مكلف أن لا يكذب على اللّه ولا يخون في دينه ، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك الثالث : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس ، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد اللّه وخيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذباً ، ومن الناس من قال : هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة ، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة ، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاماً في حق كل من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الروايات في سبب النزول ، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح اللّه أحوالهم في الآيات المتقدمة ، ومنهم من خصها بغيرهم .
أما الأول ففيه وجهان الأول : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد اللّه إليهم في التوراة من