تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
على حقيقة اللغة ، فصار قوله
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
بمنزلة قوله ( لا يريد ظلم الظالمين ) « 1 » هكذا قرره القاضي ، وعند أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو تعالى وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه ، وهذه المسألة قد ذكرناها مراراً وأطواراً .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 58 ]

ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى :
ذلِكَ
إشارة إلى ما تقدم من نبأ عيسى وزكريا وغيرهما ، وهو مبتدأ ، خبره
نَتْلُوهُ
و
مِنَ الْآياتِ
خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي ، و
نَتْلُوهُ
صلته ، و
مِنَ الْآياتِ
الخبر . المسألة الثانية : التلاوة والقصص واحد في المعنى ، فإن كلا منهما يرجع معناه إلى شيء يذكر بعضه على إثر بعض ، ثم إنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه في هذه الآية ، وفي قوله
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى
[ القصص : 3 ] وأضاف القصص إلى نفسه فقال :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
[ يوسف : 3 ] وكل ذلك يدل على أنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته سبحانه وتعالى ، وهذا تشريف عظيم للملك ، وإنما حسن ذلك لأن تلاوة جبريل صلى اللّه عليه وسلم لما كان بأمره من غير تفاوت أصلًا أضيف ذلك إليه سبحانه وتعالى . المسألة الثالثة : قوله
مِنَ الْآياتِ
يحتمل أن يكون المراد منه ، أن ذلك من آيات القرآن ويحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك ، لأنها أخبار لا يعلمها إلا / قارئ من كتاب أو من يوحى إليه ، فظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ ، فبقي أن ذلك من الوحي . المسألة الرابعة :
وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
فيه قولان الأول : المراد منه القرآن وفي وصف القرآن بكونه ذكراً حكيماً وجوه الأول : إنه بمعنى الحاكم مثل القدير والعليم ، والقرآن حاكم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه والثاني : معناه ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه والثالث : أنه بمعنى المحكم ، فعيل بمعنى مفعل ، قال الأزهري : وهو شائع في اللغة ، لأن حكمت يجري مجرى أحكمت في المعنى ، فرد إلى الأصل ، ومعنى المحكم في القرآن أنه أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
[ هود : 1 ] والرابع : أن يقال القرآن لكثرة حكمه إنه ينطق بالحكمة ، فوصف بكونه حكيماً على هذا التأويل . القول الثاني : أن المراد بالذكر الحكيم هاهنا غير القرآن ، وهو اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ، أخبر أنه تعالى أنزل هذا القصص مما كتب هنالك ، واللّه أعلم بالصواب .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 59 ]

إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وقد نجران على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : يا محمد ، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو اللّه تعالى ، فقال : إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً للّه تعالى ، فكذا القول في عيسى عليه السلام ، هذا حاصل الكلام ، وأيضاً إذا جاز أن
هامش
( 1 ) ليست هذه آية إنما المثبت في المصحفوَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ[ غافر : 31 ] .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 242 | فخر الدين الرازي