تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
ويملك كل مالك مملوكه ، قال صاحب « الكشاف »
مالِكَ الْمُلْكِ
أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، واعلم أنه تعالى لما بيّن كونه
مالِكَ الْمُلْكِ
على الإطلاق ، فصل بعد ذلك وذكر أنواعاً خمسة : النوع الأول : قوله تعالى :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
وذكروا فيه وجوهاً الأول : المراد منه : ملك النبوّة والرسالة ، كما قال تعالى :
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً
[ النساء : 54 ] والنبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر ، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم ، وأن يعتقد أنه هو الحق ، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل ، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل اللّه تعالى بشراً رسولًا فحكى اللّه عنهم قولهم
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 94 ] وقال اللّه / تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
[ الأنعام : 9 ] وقوم آخرون جوزوا من اللّه تعالى أن يرسل رسولًا من البشر ، إلا أنهم كانوا يقولون : إن محمداً فقير يتيم ، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى اللّه عنهم أنهم قالوا
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] وأما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا وأسلافنا ، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة والكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة ، على ما حكى اللّه ذلك عنهم في قوله
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ النساء : 37 ] . وأيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ
[ آل عمران : 12 ] أن اليهود تكبروا على النبي صلى اللّه عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء ، فقال
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
. فإن قيل : فإذا حملتم قوله
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
على إيتاء ملك النبوّة ، وجب أن تحملوا قوله
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبياً ، ومعلوم أن ذلك لا يجوز . قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن اللّه تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل ، فإذا أخرجها اللّه من نسله ، وشرّف بها إنساناً آخر من غير ذلك النسل ، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لا بد وأن تكون في بني إسرائيل ، فلما شرف اللّه تعالى محمداً صلى اللّه عليه وسلم بها ، صح أن يقال : إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب . والجواب الثاني : أن يكون المراد من قوله
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه ، ونظيره قوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط ، وقال اللّه تعالى مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا *
[ الأعراف : 88 ] وأولئك الأنبياء قالوا
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الأعراف : 89 ] مع أنهم ما كانوا فيها قط ، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
بملك النبوة .