تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
الصفة الرابعة : قوله
وَنَبِيًّا
واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما : قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني : ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة . الصفة الخامسة : قوله
مِنَ الصَّالِحِينَ
وفيه ثلاثة أوجه الأول : معناه أنه من أولاد الصالحين والثاني : أنه خير كما يقال في الرجل الخير ( إنه من الصالحين ) والثالث : أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : « ما من نبي إلا وقد عصى ، أو هم بمعصية غير يحيى فإنه لم يعص ولم يهم » . فإن قيل : لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح ؟ قلنا : أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال :
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
[ النمل : 19 ] وتحقيق القول فيه : أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة ، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيباً منه كان أعلى قدراً واللّه أعلم . قوله تعالى :
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
في الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله
رَبِّ
خطاب مع اللّه أو مع الملائكة ، لأنه جائز أن يكون خطاباً مع اللّه ، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم الملائكة ، وهذا الكلام لا بد أن يكون خطاباً مع ذلك المنادي لا مع غيره ، ولا جائز أن يكون خطاباً مع الملك ، لأنه لا يجوز للإنسان أن يقول للملك : يا رب . والجواب : للمفسرين فيه قولان الأول : أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه به تعجب زكريا عليه السلام ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى اللّه تعالى والثاني : أنه خطاب مع الملائكة والرب إشارة إلى المربي ، ويجوز وصف المخلوق به ، فإنه يقال : فلان يربيني ويحسن إلي . السؤال الثاني : لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد ، ثم أجابه اللّه تعالى إليه فلم تعجب منه ولم استبعده ؟ الجواب : لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكاً في قدرة اللّه تعالى على ذلك والدليل عليه وجهان الأول : أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق ، ولا خلق إلا من نطفة ، لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في الأزل وهو محال ، فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه اللّه تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها اللّه تعالى لا من إنسان . والوجه الثاني : أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من اللّه تعالى ، فلو كان ذلك محالًا ممتنعاً لما طلبه من اللّه تعالى ، فثبت بهذين الوجهين أن قوله
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
ليس للاستبعاد ، بل ذكر العلماء فيه وجوهاً الأول : أنه قوله
أَنَّى
معناه : من أين . ويحتمل أن يكون معناه : كيف تعطي ولداً على القسم الأول أم على القسم الثاني ، وذلك لأن حدوث الولد يحتمل وجهين أحدهما : أن يعيد اللّه شبابه ثم يعطيه الولد مع