على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح ، / ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافراً قال :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
[ هود : 46 ] وكذلك امرأة لوط .
ثم قال تعالى :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
أي سميع لأقوالكم عليم بضمائركم ونياتكم ، فإنا ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب ، فمنهم من قال له : أقم بالمدينة ، ومنهم من قال : اخرج إليهم ، وكان لكل أحد غرض آخر فيما يقول ، فمن موافق ، ومن مخالف فقال تعالى : أنا سميع لما يقولون عليم بما يضمرون .
ثم قال تعالى :
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : العامل في قوله
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ
فيه وجوه الأول : قال الزجاج : العامل فيه التبوئة ، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت الثاني : العامل فيه قوله
سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الثالث : يجوز أن يكون بدلًا من
إِذْ غَدَوْتَ
.
المسألة الثانية : الطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس لما انهزم عبد اللّه بن أبي همت الطائفتان باتباعه ، فعصمهم اللّه ، فثبتوا مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ومن العلماء من قال : إن اللّه تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما ، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر .
المسألة الثالثة : الفشل الجبن والخور ، فإن قيل : الهم بالشيء هو العزم ، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف بهما أن يقال واللّه وليهما ؟ .
والجواب : الهم قد يراد به العزم ، وقد يراد به الفكر ، وقد يراد به حديث النفس ، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ووفور عدده ، لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب ، فكان قوله
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
لا يدل على أن معصية وقعت منهما ، وأيضاً فبتقدير أن يقال : إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر ، بدليل قوله تعالى :
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية اللّه لهما .
ثم قال تعالى :
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عبد اللّه
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
كقوله
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] .
المسألة الثانية : في المعنى وجوه الأول : أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما عن ولاية اللّه تعالى الثاني : كأنه قيل : اللّه تعالى ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل وترك التوكل على اللّه تعالى ؟
الثالث : فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن اللّه تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة ، والغرض منه بيان أنه لولا توفيقه سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي ، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
.
فإن قيل : ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال : واللّه ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به ، وقد أخبرنا اللّه تعالى بأنه وليهما ؟ .
قلنا : معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء اللّه تعالى ، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة