حملنا الكلام على أن المراد : لكن قد يعتصمون بحبل من اللّه وحبل من الناس لم يتم هذا القدر فلا بد من إضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه والإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فإذا كان لا ضرورة هاهنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز ، بل هاهنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على كل هذه الأشياء أعني : القتل ، والأسر ، وسبي الذراري ، وأخذ المال ، وإلحاق الصغار ، والمهانة ، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام ، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام ، وهو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية ، وبقاء المهانة والحقارة والصغار فيهم ، فهذا هو القول في هذا الموضع ، وقوله
أَيْنَما ثُقِفُوا
أي وجدوا وصودفوا ، يقال : ثقفت فلاناً في الحرب أي أدركته ، وقد مضى الكلام فيه عند قوله
حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ *
[ البقرة : 191 ] .
المسألة الثالثة : قوله
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ
فيه وجوه الأول : قال الفرّاء : التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من اللّه ، وأنشد على ذلك :
رأتني بحبلها فصدت مخافة * وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
واعترضوا عليه ، فقالوا : لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته ، لأن الموصول هو الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه ، أما حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز الثاني : أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى ، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفك عنهم ، فكأنه قيل :
لا تنفك عنهم الذلة ، ولن يتخلصوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس الثالث : أن تكون الباء بمعنى ( مع ) كقولهم :
اخرج بنا نفعل كذا ، أي معنا ، والتقدير : إلا مع حبل من اللّه .
المسألة الرابعة : المراد من حبل اللّه عهده ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفاً ، صار ذلك الخوف مانعاً له من الوصول إلى مطلوبه ، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه ، فصار ذلك شبيهاً بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر .
فإن قيل : إنه عطف على حبل اللّه حبلًا من الناس وذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة ؟
قلنا : قال بعضهم : حبل اللّه هو الإسلام ، وحبل الناس هو العهد والذمة ، وهذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال : أو حبل من الناس ، وقال آخرون : المراد بكلام الحبلين العهد والذمة والأمان ، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن اللّه وهذا عندي أيضا ضعيف ، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان أحدهما : الذي نص اللّه عليه وهو أخد الجزية والثاني : الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد فالأول : هو المسمى بحبل اللّه والثاني : هو المسمى بحبل المؤمنين واللّه أعلم .
ثم قال :
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ *
وقد ذكرنا أن معناه : أنهم مكثوا ، ولبثوا وداموا في غضب اللّه ، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان ، ومنه : تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه ، والمعنى أنهم مكثوا في غضب من اللّه وحلوا فيه ، وسواء قولك : حل بهم الغضب وحلوا به .
ثم قال :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
والأكثرون حملوا المسكنة على الجزية وهو قول الحسن قال وذلك