تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
الوجه الثاني : وهو ( أن الألف واللام ) في لفظ
بِالْمَعْرُوفِ
ولفظ
الْمُنْكَرِ
يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف ، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقا وصدقاً لا محالة فكان حجة ، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول . المسألة الثالثة : قال الزجاج : قوله
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنه عام في كل الأمة ، ونظيره قوله
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
[ البقرة : 183 ]
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ
[ البقرة : 178 ] فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ، ولكنه عام في حق الكل كذا هاهنا . المسألة الرابعة : قال القفال رحمه اللّه : أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى اللّه عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته ، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول ، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام : « أمتي لا تجتمع على ضلالة » و روي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة « أمتي أمتي » فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته ، فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم : إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط . أما قوله
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
ففيه قولان الأول : أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ، فقوله
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني : أن قوله
لِلنَّاسِ
من تمام قوله
كُنْتُمْ
والتقدير : كنتم للناس خير أمة ، ومنهم من قال :
أُخْرِجَتْ
صلة ، والتقدير : كنتم خير أمة للناس . ثم قال :
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
. واعلم أن هذا كلام مستأنف ، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف ، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات ، أعني الأمر / بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات . وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان باللّه كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم ؟ . والجواب : قال القفال : تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد ، وأقواها ما يكون بالقتال ، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات : الكفر باللّه ، فكان الجهاد في الدين محملًا لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع ، وتخليصه من أعظم المضار ، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات ، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في