تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
بقوله تعالى :
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
[ يونس : 32 ] والثاني : أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة ، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم اللّه عنها الثالث : أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة . واعلم أنه روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار فقيل : ومن هم يا رسول اللّه ؟ قال الجماعة » وروي « السواد الأعظم » وروي « ما أنا عليه وأصحابي » والوجه المعقول فيه : أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً ، وإذا كان كذلك كان الناجي واحداً . المسألة الثانية : استدلت نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا : الأحكام الشرعية إما أن يقال : إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية ، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن ، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني ، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع ، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه ، لكنه منهي عنه لقوله تعالى :
وَلا تَفَرَّقُوا
وقوله
وَلا تَنازَعُوا
ولقائل أن يقول : الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله
وَلا تَفَرَّقُوا
ولعموم قوله
وَلا تَنازَعُوا
واللّه أعلم . ثم قال تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
واعلم أن نعم اللّه على الخلق إما دنيوية وإما أخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية ، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى :
إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخزرج وهم كل واحد منهما بمحاربة صاحبه ، فخرج الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان / الأوس والخزرج أخوين لأب وأم ، فوقعت بينهما العداوة ، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ اللّه ذلك بالإسلام ، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم ، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً ، فلما أكرمهم اللّه تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في اللّه : ونظير هذه الآية قوله
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
[ الأنفال : 63 ] . واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق ، ومن كان وجهه إلى خدمة اللّه تعالى لم يكن معادياً لأحد ، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحداً ، ولهذا قيل : إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر اللّه في القدر . المسألة الثانية : قال الزجاج : أصل الأخ في اللغة من التوخي وهو الطلب فالأخ مقصده مقصد أخيه ، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه ، ولا يخفى عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة : الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة ، قال وهذا غلط ، قال اللّه تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
[ الحجرات : 10 ] ولم يعن النسب ، وقال :
أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ
[ النور : 61 ] وهذا في النسب . المسألة الثالثة : قوله
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام