المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار .
المسألة الثالثة : ظاهر قوله
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
خطاب مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته ، ألا تراه قال :
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ
[ البقرة : 271 ] وهذا خطاب عام ، ثم قال :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
وهو في الظاهر خاص ، ثم قال بعده
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
وهذا عام فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضاً .
أما قوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
فقد احتج به الأصحاب على أن هداية اللّه تعالى غير عامة ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا : لأن قوله
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
إثبات للهداية التي نفاها بقوله
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
لكن المنفي بقوله
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
هو حصول الاهتداء على سبيل الاختيار ، فكان قوله
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً بتقدير اللّه تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب .
قالت المعتزلة
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
يحتمل وجوهاًأحدها : أنه يهدي بالإثابة والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك وثانيها : يهدي بالألطاف وزيادات الهدى من يشاءوا ثالثها : ولكن اللّه يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه قادر على ذلك وإن لم يفعله ورابعها : أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء ، فمن اهتدى استحق أن يمدح بذلك .
أجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
هو المنفي أولًا بقوله
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
لكن المراد بذلك المنفي بقوله أولًا :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، فالمثبت بقوله
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
يجب أن يكون هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه .
ثم قال :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
فالمعنى : وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير فإنما هو لأنفسكم أي ليحصل لأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم .
ثم قال تعالى :
وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول أن يكون المعنى : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه اللّه ، فقد علم اللّه هذا من قلوبكم ، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه اللّه في صلة رحم وسد خلة مضطر ؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهي ، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه اللّه ، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيراً قال تعالى :
الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
[ البقرة : 233 ]
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ
[ البقرة : 228 ] الثالث : أن قوله
وَما تُنْفِقُونَ
أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه اللّه .
المسألة الثانية : ذكر في الوجه في قوله
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
قولان أحدهما : أنك إذا قلت : فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ والثاني : أنك إذا قلت : فعلت هذا الفعل له فههنا يحتمل أن يقال : فعلته له ولغيره أيضاً ، أما إذا قلت