واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً فاهماً للنداء ، قادراً على السعي والعدو ، فدل ذلك على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة قال القاضي : الآية دالة على أنه لا بد من البنية من حيث أوجب التقطيع بطلان حياتها .
والجواب : أنه ضعيف لأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة ، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فإنه يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ، ولما دلّت الآية على حصول فهم النداء ، والقدرة على السعي لتلك الأجزاء حال تفرقها ، كان دليلًا قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة .
أما قوله تعالى :
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
فالمعنى أنه غالب على جميع الممكنات
حَكِيمٌ
أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 261 ]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 )
[ الحكم الأول في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال ]
اعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن دلائل صحتهما ما أراد أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف .
فالحكم الأول : في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال القاضي رحمه اللّه : إنه تعالى لما أجمل في قوله
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً
فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف ، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق ، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب ، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً ، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإثابة ، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال ، فإنه يجازي القليل بالكثير ، ثم ضرب لذلك الكثير مثلًا ، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فصارت الواحدة سبعمائة .
الوجه الثاني : في بيان النظم ما ذكره الأصم ، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى اللّه عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته .
والوجه الثالث : لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين ، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل اللّه وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت .
المسألة الثانية : في الآية إضمار ، والتقدير : مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة .
المسألة الثالثة : معنى
يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يعني في دينه ، قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصة ، وقيل : جميع أبواب البر ، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير ، ومن صرف المال إلى الصدقات ، ومن إنفاقها في المصالح ، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين اللّه وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل اللّه گ .