تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي
أَ أُنَبِّئُكُمْ
بهمزتين واختلفت الرواية عن نافع وأبي عمرو . المسألة الثانية : ذكروا في متعلق الاستفهام ثلاثة أوجه الأول : أن يكون المعنى : هل أنبئكم بخير من ذلكم ، ثم يبتدأ فيقال : للذين اتقوا عند ربهم كذا وكذاو الثاني : هل أنبئكم / بخير من ذلكم للذين اتقوا ، ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنّات تجري والثالث : هل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم ، ثم يبتدئ فيقال : جنّات تجري . المسألة الثالثة : في وجه النظم وجوه الأول : أنه تعالى لما قال :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
[ آل عمران : 14 ] بيّن في هذه الآية أن ذلك المآب ، كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا ، فقال
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
والثاني : أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ الأعلى : 17 ] الثالث : كأنه تعالى نبّه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسناً منتظماً إلا أن أمرك في الآخرة خير وأفضل ، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم ، فكذلك الآخرة أطيب وأوسع وأفسح من الدنيا . المسألة الرابعة : إنما قلنا : إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا ، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة ، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية ، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة ، ونعم الآخرة باقية لا محالة . أما قوله تعالى :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
فقد بينا في تفسير قوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] أن التقوى ما هي وبالجملة ، فإن الإنسان لا يكون متقياً إلا إذا كان آتياً بالواجبات ، متحرزاً عن المحظورات ، وقال بعض أصحابنا : التوقي عبارة عن اتقاء الشرك ، وذلك لأن التقوى صارت في عرف القرآن مختصة بالإيمان ، قال تعالى :
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
[ الفتح : 26 ] وظاهر اللفظ أيضاً مطابق له ، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن جميع المحظورات ، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات ، لأن ماهية الاشتراك لا تدل على ماهية الامتياز ، فحقيقة التقوى وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء عن الشرك ، وعرف القرآن مطابق لذلك ، فوجب حمله عليه فكان قوله
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
محمولًا على كل من اتقى الكفر باللّه . أما قوله تعالى :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ
ففيه احتمالان الأول : أن يكون ذلك صفة للخير ، والتقدير : هل أنبئكم بخير من ذلكم عند ربهم للذين اتقوا والثاني : أن يكون ذلك صفة للذين اتقوا والتقدير : للذين اتقوا عند ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند اللّه تعالى ، فيخرج عنه المنافق ، ويدخل فيه من كان مؤمناً في علم اللّه . وأما قوله
جَنَّاتٌ
فالتقدير : هو جنّات ، وقرأ بعضهم جنات بالجر على البدل من خير ، واعلم أن قوله
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
وصف لطيب الجنّة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر ، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب ، كما قال تعالى :
فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
[ الزخرف : 71 ] . ثم قال :
خالِدِينَ فِيها
والمراد كون تلك النعم دائمة .