إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
[ آل عمران : 15 ] ثم بيّن طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله
زُيِّنَ لِلنَّاسِ
من الذي زين ذلك ؟ أما أصحابنا فقولهم / فيه ظاهر ، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو اللّه تعالى وأيضاً قالوا : لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان ، فإن كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل ، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان ، وإن كان من اللّه تعالى ، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك ، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله
رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
[ القصص : 63 ] يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا ، وهذا الكلام ظاهر جداً .
أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال :
لقول الأول : حكي عن الحسن أنه قال : الشيطان زين لهم ، وكان يحلف على ذلك باللّه ، واحتج القاضي لهم بوجوه أحدها : أنه تعالى أطلق حب الشهوات ، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان وثانيها : أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ، ومنتهى مقصوده ، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة وثالثها : قوله تعالى :
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
ولا شك أن اللّه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له ورابعها : قوله بعد هذه الآية
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
[ آل عمران : 15 ] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه ، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه .
والقول الثاني : قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو اللّه واحتجوا عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ، وإباحتها للعبيد تزيين لها ، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى ، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة ، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها وثانيها : أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة ، واللّه تعالى قد ندب إليها ، فكان مزيناً لها ، وإنما قلنا : إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه الأول : أن يتصدق بها والثاني : أن يتقوى بها على طاعة اللّه تعالى والثالث : أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق اللّه تعالى وإعانته صار ذلك سببا لاشتغال العبد بالشكر العظيم ، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول : شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه والرابع : أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً ، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس : قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] وقال :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
[ الأعراف : 32 ] وقال :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها
[ الكهف : 7 ] وقال :
خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[ الأعراف :
31 ] وقال / في سورة البقرة
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ *
[ البقرة : 22 ] وقال
كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
[ البقرة : 168 ] وكل ذلك يدل على أن التزيين من اللّه تعالى ، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد
زُيِّنَ لِلنَّاسِ
على تسمية الفاعل .