تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وأما ما دل على أنه بكليته متشابه ، فهو قوله تعالى :
كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
[ الزمر : 23 ] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر ، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة . وأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها ، ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة : أما المحكم فالعرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ، ومنعت ، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب ، وفي حديث النخعي : احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد ، وقال جرير : أحكموا سفهاءكم ، أي امنعوهم ، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له ، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي ، وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا
[ البقرة : 70 ] وقال في وصف ثمار الجنة
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
[ البقرة : 25 ] أي متفق المنظر مختلف الطعوم ، وقال اللّه تعالى :
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
[ البقرة : 118 ] ومنه يقال : اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه ، وقال عليه السلام : « الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات » وفي رواية / أخرى مشتبهات . ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل سمي بذلك ، لأنه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل ، ويحتمل أن يقال : إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه ، وكان الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن ، ومشابها له ، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان ، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه ، فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، فنقول : الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين ، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول : اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى ، فإما أن يكون محتملًا لغير ذلك المعنى ، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعاً لمعنى ولا يكون محتملًا لغيره فهذا هو النص ، وأما إن كان محتملًا لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً ، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولًا ، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً ، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملا ، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصاً ، أو ظاهراً ، أو مؤولًا ، أو مشتركاً ، أو مجملًا ، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح ، إلا أن النص راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم .