تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته ، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة ، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت ، فقال كرز أخوه : تعس الأبعد يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال أبو حارثة : بل تعست أمك ، فقال : ولم يا أخي ؟ فقال : إنه واللّه النبي الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه كرز : فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ، قال : لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالًا كثيرة وأكرمونا ، فلو آمنا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء ، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز ، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك ، ثم تكلم أولئك الثلاثة : الأمير ، والسيد والحبر ، مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على اختلاف من أديانهم ، فتارة يقولون عيسى هو اللّه ، وتارة يقولون : هو ابن اللّه ، وتارة يقولون : ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم : هو اللّه ، بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويبرئ الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير ، ويحتجون في قولهم : إنه ولد اللّه بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول اللّه تعالى : فعلنا وجعلنا ، ولو كان واحداً لقال فعلت فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أسلموا ، فقالوا : قد أسلمنا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم / كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون للّه ولداً ، وتعبدون الصليب ، وتأكلون الخنزير ، قالوا : فمن أبوه ؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها . ثم أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يناظر معهم ، فقال : ألستم تعلمون أن اللّه حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ، فهل يملك عيسى شيئاً من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال ألستم تعلمون أن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا : لا ، قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث قالوا : بلى فقال صلى اللّه عليه وسلم : « فكيف يكون كما زعمتم ؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً ، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة اللّه وروح منه ؟ قال : بلى » ، قالوا : فحسبنا فأنزل اللّه تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ
[ آل عمران : 7 ] الآية . ثم إن اللّه تعالى أمر محمداً صلى اللّه عليه وسلم بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك ، فدعاهم رسول اللّه إلى الملاعنة ، فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل ، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض : ما ترى ؟ فقال : واللّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط إلا وفي كبيرهم وصغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع نحن على ديننا ، فابعث رجلًا من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا ، فقال عليه السلام : آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر يقول : ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فلما صلينا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، وجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يردد بصره حتى