تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
السؤال الثاني : أنه لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق قوله
لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
كان من لوازمه أن لا يكلفه ما لا يطاق ، وعلى هذا التقدير كان عكس هذا الترتيب أولى . والجواب : الذي أتخيله فيه والعلم عند اللّه تعالى أن للعبد مقامين أحدهما : قيامه بظاهر الشريعة والثاني : شروعه في بدء المكاشفات ، وذلك هو أن يشتغل بمعرفة اللّه وخدمته وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك التشديد ، وفي المقام الثاني قال : لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ، ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك ، ولما كانت الشريعة متقدمة على الحقيقة لا جرم كان قوله
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
مقدماً في الذكر على قوله
لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
. السؤال الثالث : أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا
لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
. . . *
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
* . . .
وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء ؟ والجواب : المقصود منه بيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل . قوله تعالى :
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
. اعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ
رَبَّنا
وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ
رَبَّنا
وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان : السؤال الأول : لم لم يذكر هاهنا لفظ ربنا ؟ . الجواب : النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء إشعاراً / بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من اللّه تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أخر . السؤال الثاني : ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة ؟ . الجواب : أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صوناً له من عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ، والأول : هو العذاب الجسماني ، والثاني : هو العذاب الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب ، وهو أيضاً قسمان : ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال اللّه تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء اللّه وذلك بأن يصير غائباً عن كل ما سوى اللّه تعالى ، مستغرقاً بالكلية في نور حضور جلال اللّه تعالى ، فقوله
وَارْحَمْنا
طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك
أَنْتَ مَوْلانا
طلب للثواب الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على اللّه تعالى لأن قوله
أَنْتَ مَوْلانا
خطاب الحاضرين ، ولعلّ كثيراً من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون : إنها من باب الطاعات ، ولقد صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى
[ النجم : 30 ] .