اللام في قوله
لَها ما كَسَبَتْ
يدل على ثبوت هذا الاختصاص ، وتأكد ذلك
بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كل امرئ أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين »
وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه .
منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله :
لَها ما كَسَبَتْ
والعارض الموجود ، إما الغضب ، وإما الضمان ، وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة .
ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه ، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله
لَها ما كَسَبَتْ
.
ومنها أنه لا شفعة للجار ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله
لَها ما كَسَبَتْ
والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك ، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في الجار .
ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله
لَها ما كَسَبَتْ
والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً قائماً ، فإنه يجب رده على المالك ، ولا يكون القطع مقتضياً زوال ملكه عنه .
ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به ، وجوابه أن الدلائل الموجبة للزكاة أخص ، والخاص مقدم على العام ، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في فروع الفقه واللّه أعلم .
ثم اعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم ، وذلك
لأنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الدعاء مخ العبادة »
لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة والذالة والمسكنة ويشاهد جلال اللّه تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت الاستغناء والتعالي ، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى اللّه والكلام / في حقائق الدعاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[ البقرة : 186 ] فقال :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء ، وذكر في مطلع كل واحد منها قوله
رَبَّنا
إلا في النوع الرابع من الدعاء فإنه حذف هذه الكلمة عنها وهو قوله
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا
.
أما النوع الأول فهو قوله
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا ، وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد ، لأن الناسي قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ، فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن اللّه يأخذ المذنب بالعقوبة ، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم ، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو ، فلهذا يتمسك العبد عند الخوف منه به ، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ المؤاخذة .
المسألة الثانية : في النسيان ووجهان الأول : أن المراد منه هو النسيان نفسه الذي هو ضد الذكر .