تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون والثاني : روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيرا ، فكان يستغفر اللّه منه ، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضا غير مستبعد والثالث : أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلهيته جنايات ، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل ، ولذلك قال :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *
[ الأنعام : 91 ] وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية ، وإن كان عالما جدا إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء اللّه تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه ، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
[ محمد : 19 ] فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير ، فكان يستغفر منها ، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
[ يونس : 10 ] فسبحانك اللّهم إشارة إلى التنزيه . ثم إنه قال :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] يعني أن كل الحمد للّه وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا . المسألة الثانية : قوله
غُفْرانَكَ
تقديره : اغفر غفرانك ، ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو سقيا ورعيا ، قال الفرّاء : هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب ، ومثله الصلاة الصلاة ، والأسد الأسد ، وهذا أولى من قول من قال : نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه ، ونظيره قولك : حمدا حمدا ، وشكرا شكرا ، أي أحمد حمدا ، وأشكر شكر . المسألة الثالثة : أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما : بالإضافة إليه ، وهو قوله
غُفْرانَكَ
والثاني : أردفه بقوله
رَبَّنا
وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها : أنت الكامل في هذه الصفة ، فأنت غافر الذنب ، وأنت غفور
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ
[ الكهف : 58 ]
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
[ البروج : 14 ] وأنت / الغفار
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
[ نوح : 10 ] يعنى أنه ليست غفاريته من هذا لوقت ، بل كان قبل هذا الوقت غفار الذنوب ، فهذه الغفارية كالحرفة له ، فقوله هاهنا
غُفْرانَكَ
يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة ، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة ، فقوله
غُفْرانَكَ
طلب لغفران كامل ، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته ، ويبدلها بالحسنات ، كما قال :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[ الفرقان : 70 ] وثانيها : روي في الحديث الصحيح « إن للّه مائة جزء من الرحمة قسم جزءا واحدا منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات ، فيها يتراحمون ، وادخر تسعة وتسعين جزءا ليوم القيامة » فأظن أن المراد من قوله
غُفْرانَكَ
هو ذلك الغفران الكبير ، كان العبد يقول : هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي وثالثها : كأن العبد يقول : كل صفة من صفات جلالك وإلهيتك ، فإنما يظهر أثرها في محل معين ، فلو لا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك ، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك ، فكذا لولا جرم العبد وجنايته ، وعجزه وحاجته ، لما ظهرت آثار غفرانك ، فقوله
غُفْرانَكَ
معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي ، وفي حق أمثالي من المجرمين .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 114 | فخر الدين الرازي