تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وأما الإيمان بالملائكة ، فهو من أربعة أوجه أولها : الإيمان بوجودها ، والبحث عن أنها روحانية محضة ، أو جسمانية ، أو مركبة من القسمين ، وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة ، فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية ، أو هوائية ، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى ، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية . والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة : العلم بأنهم معصومون مطهرون
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ النحل : 50 ]
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ
[ الأنبياء : 19 ] فإن لذتهم بذكر اللّه ، وأنسهم بعبادة اللّه ، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء ، فكذلك حياتهم بذكر اللّه تعالى ومعرفته وطاعته . والمرتبة الثالثة : أنهم وسائط بين اللّه وبين البشر ، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه :
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِراتِ زَجْراً
[ الصافات : 1 ، 2 ] وقال :
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً * فَالْحامِلاتِ وِقْراً
[ الذاريات : 1 ، 2 ] وقال :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً
[ المرسلات : 1 ، 2 ] وقال :
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً
[ النازعات : 1 ، 2 ] ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسراراً مخفية ، إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها . والمرتبة الرابعة : أن كتب اللّه المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ، قال اللّه تعالى :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
[ التكوير : 19 ، 20 ، 21 ] فهذه المراتب لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم . وأما الإيمان بالكتب : فلا بد فيه من أمور أربعة أولها : أن يعلم أن هذه الكتب وحي من اللّه تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من باب السحر ، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها : أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين ، فاللّه تعالى لم يمكن أحداً من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر ، وعند هذا يعلم أن من قال : إن الشيطان ألقى قوله : تلك الغرانيق العلا في أثناء الوحي ، فقد قال قولًا عظيماً ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن . والمرتبة الثالثة : أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف ، ودخل فيه فساد قول من قال : إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي اللّه عنه ، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة . والمرتبة الرابعة : أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن محكمه يكشف عن متشابهه . وأما الإيمان بالرسل : فلا بد فيه من أمور أربعة : المرتبة الأولى : أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب ، وقد أحكمنا هذه المسألة في تفسير قوله
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
[ البقرة : 36 ] وجميع الآيات التي يتمسك بها المخالفون قد ذكرنا وجه تأويلاتها في هذا التفسير بعون اللّه سبحانه وتعالى .