الوجه الثالث : في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها ، وقد تقدم ذلك في قوله
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
[ البقرة : 282 ] وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه ، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فهذا بالغ في الوعيد .
ثم قال :
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الآثم الفاجر ، روي أن عمر كان يعلم أعرابياً
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ
[ الدخان :
43 ، 44 ] فكان يقول : طعام اليتيم ، فقال له عمر : طعام الفاجر . فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور .
المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرئ قلبه بالفتح كقوله
سَفِهَ نَفْسَهُ
[ البقرة : 130 ] وقرأ ابن أبي عبلة أثم قلبه أي جعله آثماً .
المسألة الثالثة : اعلم أن كثيراً من المتكلمين قالوا : إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 ، 194 ] وذكرنا طرفاً منه في تفسير قوله
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ
[ البقرة : 97 ] وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثماً .
وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو ، فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، ويقال : فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف ، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم هاهنا إلى القلب .
ثم قال عزّ وجلّ :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان ، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم اللّه ضمير قلبه كان خائفاً حذراً من مخالفة أمر اللّه تعالى ، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيراً فخيراً ، وإن شرًّا فشراً .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 284 ]
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 )
[ في قوله تعالى
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
] في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوّة ، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف ، وهي في الصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية المداينة ختم اللّه تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد .
وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم ، فعبّر سبحانه عن كمال