تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
قليل الألايا حافظ ليمينه * فإن سبقت منه الألية برت
هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة ، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء ، كما إذا قال : واللّه لا أجامعك ، ولا أباضعك ، ولا أقربك ، ومن المفسرين من قال : في الآية حذف تقديره : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم ، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه ، وأنا أقول : هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي ، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار . المسألة الثانية : روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقا قال سعيد بن المسيب : كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة ، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا ، فأزال اللّه تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل ، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها . المسألة الثالثة : قرأ عبد اللّه آلوا من نسائهم وقرأ ابن عباس رضي اللّه عنهما يقسمون من نسائهم . أما قوله :
مِنْ نِسائِهِمْ
ففيه سؤال ، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : حلف فلان على / كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة على هاهنا بلفظة ( من ) ؟ . والجواب من وجهين : الأول : أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر ، كما يقال : لي منك كذا والثاني : أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين . أما قوله تعالى :
تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ
فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال : تربصت الشيء تربصا ، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة ، أي تلبث ، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : بينهما مسيرة يوم ، أي مسيرة في يوم ومثله كثير . أما قوله :
فَإِنْ فاؤُ
فمعناه فإن رجعوا ، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود : فيء ، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل ، فقالوا : الفيء ما كان بالعشي ، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء ، لأنه لا شمس فيها ، قال اللّه تعالى :
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
[ الواقعة : 30 ] وأنشدوا :
فلا الظل من برد الضحى يستطيعه * ولا الفيء من برد العشي يذوق
وقيل : فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب ، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل : لما رده اللّه على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله :
فَإِنْ فاؤُ
معناه فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين . أما قوله تعالى :
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يغرم عزما وعزيمة ، وعزمت عليك لتفعلن ، أي أقسمت ، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقا ، وقال الليث : طلقت بضم اللام ، وقال ابن الأعرابي : طلقت بضم اللام من الطلاق أجود ، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالا في الشرع ، وأصله من الانطلاق ، وهو الذهاب ، فالطلاق عبارة عن