تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
89 ] ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وهاهنا الكفارة واجبة ، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة الثاني : أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب ، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد ، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب . القول الرابع : في تفسير يمين اللغو : أنها اليمين المكفرة سميت لغوا لأن الكفارة أسقطت الإثم ، فكأنه قيل : لا يؤاخذكم اللّه باللغو إذا كفرتم ، وهذا قول الضحاك . القول الخامس : وهو قول القاضي : أن المراد به ما يقع سهوا غير مقصود إليه ، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
أي يؤاخذكم إذا تعمدتم ، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو . المسألة الثانية : احتج الشافعي رضي اللّه عنه بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس ، قال : إنه تعالى ذكر هاهنا
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
وقال في آية المائدة :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به ، ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاد الحل ، فلما ذكر هاهنا قوله :
بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب ، وأيضا ذكر المؤاخذة هاهنا ، ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي ، وبينها في آية المائدة بقوله :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ
فبين أن المؤاخذة هي الكفارة ، فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه ، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب ، فالكفارة واجبة فيها ، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة فيها . أما قوله تعالى :
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
فقد علمت أن : الغفور ، مبالغة في ستر الذنوب ، وفي إسقاط عقوبتها ، وأما : الحليم ، فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة والسكون ، يقال : ضع الهودج على أحلم الجمال ، أي على أشدها تؤدة في السير ، ومنه الحلم لأنه يرى في حال السكون ، وحلمة الثدي ، ومعنى : الحليم ، في صفة اللّه : الذي لا يعجل بالعقوبة ، بل يؤخر عقوبة الكفار والفجار .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 226 إلى 227 ]

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 )

الحكم العاشر فيما يتعلق بالإيلاء والطلاق

في الآية مسائل : المسألة الأولى : آلى يؤالي إيلاء ، وتألى يتألى تأليا ، وائتلى يأتلي ائتلاء ، والاسم منه ألية وألوة ، كلاهما بالتشديد ، وحكى أبو عبيدة ألوة وألوة وألوة ثلاثة لغات ، وبالجملة فالألية والقسم واليمين ، والحلف ، كلها عبارات عن معنى واحد ، وفي الحديث حكاية عن اللّه تعالى : « آليت أفعل خلاف المقدرين » وقال كثير :