تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
عليه السلام لقوله :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 5 ] . والجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى اللّه عليه وسلّم :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[ النساء : 113 ] وقال عليه السلام : « أدبني ربي فأحسن تأديبي » وقال تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[ الرحمن : 2 ] وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء كما هي ) وقال تعالى لمحمد عليه السلام :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم فمن اللّه تعالى ، كما أنه تعالى قال :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
[ السجدة : 11 ] ثم قال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ الزمر : 42 ] . فإن قيل : قال نوح عليه السلام
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 114 ] وقال اللّه تعالى لمحمد عليه السلام :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
[ الأنعام : 52 ] وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن . قلنا : إنه تعالى قال :
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ نوح : 1 ] فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] ،
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] إلى قوله :
رَؤُفٌ رَحِيمٌ
فكان عاقبة نوح أن قال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ الإسراء : 79 ] وأما سائر المعجزات فقد ذكر في « كتب دلائل النبوة » في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، واللّه أعلم . وأما قوله تعالى :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه من كلمه اللّه تعالى ، والهاء تحذف كثيرا كقوله تعالى :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
[ الزخرف : 71 ] . المسألة الثانية : قرئ كلم الله بالنصب ، والقراءة الأولى أدل على الفضل ، لأن كل مؤمن فإنه يكلم اللّه على ما قال عليه السلام : « المصلي مناج ربه » إنما الشرف في أن يكلمه اللّه تعالى ، وقرأ اليماني : كالم اللّه من المكالمة ، ويدل على قولهم : كليم اللّه بمعنى مكالمه . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن من كلمه اللّه فالمسموع هو الكلام القديم الأزلي ، الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره ؟ فقال الأشعري وأتباعه : المسموع هو ذلك فإنه لما لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ، فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف ، وقال الماتريدي : سماع ذلك الكلام محال ، وإنما المسموع هو الحرف والصوت . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم اللّه بقوله :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا
[ الأعراف : 155 ] وهل سمعه محمد صلى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج ؟ اختلفوا فيه منهم من قال : نعم بدليل قوله :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 10 ] . فإن قيل : إن قوله تعالى :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم اللّه