تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل ، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيدا عن الطرف فضلا أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام : « إن لكل ملك حمى وحمى اللّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » الثاني : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني : لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ *
[ الأسراء : 34 ] الثالث : أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله : /
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
وقبل هذه الآية قوله :
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار ، وقبل هذه الآية قوله :
وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتي وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة ، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل ، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات ، لا جرم غلب جانب التحريم فقال :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها
أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع اللّه ونهيه عنها فلا تقربوها . أما قوله تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ
ففيه وجوه أحدها : المراد أنه كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه في هذا الموضع ، كذلك يبين سائر أدلته على دينه وشرعه وثانيها : قال أبو مسلم : المراد بالآيات الفرائض التي بينها كما قال :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ
[ النور : 1 ] ثم فسر الآيات بقوله :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
[ النور : 2 ] إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا ، فكأنه تعالى قال : كذلك يبين اللّه للناس ما شرعه لهم ليتقوه بأن يعملوا بما لزم وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنه سبحانه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بيانا شافيا وافيا ، قال بعده :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ
أي مثل هذا البيان الوافي الواضح الكامل هو الذي يذكر للناس ، والغرض منه تعظيم حال البيان وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان . أما قوله تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
فقد مر شرحه غير مرة .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 188 ]

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 )

الحكم الثامن من الأحكام المذكورة في هذه السورة

: حكم الأموال [ في قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ] [ المسألة الأولى ] اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بقوله :
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
[ الحجرات : 11 ] وهذا مخالف لها ، لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره ، قال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء : المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال في جهة اكتسابه . والقسم الأول : الحرام لصفة في عينه . واعلم أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات ، أو من الحيوانات ، أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منه إلا من حيث يضر بالأكل ، وهو ما يجري مجرى السم ، وأما النبات فلا يحرم منه إلا
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 278 | فخر الدين الرازي