لا دم عليه لما ذكرناه ، حجة أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى أن قوله :
ذلِكَ
كناية فوجب عودها إلى كل ما تقدم ، لأنه ليس البعض أولى من البعض .
وجوابه : لم لا يجوز أن يقال عوده إلى الأقرب أولى لأن القرب سبب للرجحان أليس أن مذهبه أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختص بالجملة الأخيرة ، وإنما تميزت تلك الجملة عن سائر الجمل بسبب القرب فكذا هاهنا .
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بحاضري المسجد الحرام ، فقال مالك : هم أهل مكة وأهل ذي طوى قال : فلو أن أهل منى أحرموا بالعمرة من حيث يجوز لهم ، ثم أقاموا بمكة حتى حجوا كانوا متمتعين ، وسئل مالك رحمه اللّه عن أهل الحرم أيجب عليهم ما يجب على المتمتع ، قال : نعم وليس هم مثل أهل مكة فقيل له :
فأهل منى فقال : لا أرى ذلك إلا لأهل مكة خاصة وقال طاوس حاضروا المسجد الحرام هم أهل الحرم ، وقال الشافعي رضي اللّه عنه : هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة ، فإن كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : حاضروا المسجد الحرام أهل المواقيت ، وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات العرق ، فكل من كان من أهل موضع من هذه المواضع ، أو من أهل ما وراءها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام ، هذا هو تفصيل مذاهب الناس ، ولفظ الآية موافق لمذهب مالك رحمه اللّه ، لأن أهل مكة هم الذين يشاهدون المسجد الحرام ويحضرونه ، فلفظ الآية لا يدل إلا عليهم ، إلا أن الشافعي قال : كثيرا ما ذكر اللّه المسجد الحرام ، والمراد منه الحرم ، قال تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ الإسراء : 1 ] ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إنما أسرى به من الحرم لا من المسجد الحرام ، وقال :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
[ الحج : 33 ] والمراد الحرم ، لأن الدماء لا تراق في البيت والمسجد ، إذا ثبت هذا فنقول : المراد من المسجد الحرام هاهنا ما ذكرناه ويدل عليه وجهان الأول : الحاضر ضد المسافر ، وكل من لم يكن مسافرا كان حاضرا ، ولما كان حكم السفر إنما ثبت في مسافة القصر ، فكل من كان دون مسافة القصر لم يكن مسافرا وكان حاضرا الثاني : أن العرب تسمي أهل القرى : حاضرة وحاضرين ، وأهل البر : بادية وبادين ومشهور كلام الناس : أهل البدو والحضر يراد بهما أهل الوبر والمدر .
المسألة الثالثة : قال الفراء : اللام في قوله :
لِمَنْ
بمعنى على ، أي ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة ،
كقوله عليه الصلاة والسلام : « واشترطي لهم الولاء »
أي عليهم .
المسألة الرابعة : اللّه تعالى ذكر حضور الأهل والمراد حضور المحرم لا حضور الأهل ، لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون .
المسألة الخامسة : المسجد الحرام إنما وصف بهذا الوصف لأن أصل الحرام والمحروم الممنوع عن المكاسب والشيء المنهي عنه حرام لأنه منع من إتيانه ، والمسجد الحرام الممنوع من أن يفعل فيه ما منع عن فعله قال الفراء : ويقال حرام وحرم مثل زمان وزمن .
أما قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
قال ابن عباس : يريد فيما فرض عليكم :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
لمن تهاون بحدوده قال أبو مسلم : العقاب والمعاقبة سيان ، وهو مجازاة المسئ على إساءته وهو مشتق من