تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
في الحج وسبعة إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصا بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصا على أن هذا المخصص لم يوجد البتة ، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد . النوع الرابع : أن مراتب الأعداد أربعة : آحاد ، وعشرات ، ومئين ، وألوف ، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركبا أو مكسورا ، وكون العشرة عددا موصوفا بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف ، فصار تقدير الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عددا موصوفا بصفة الكمال خاليا عن الكسر والتركيب . النوع الخامس : ن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله :
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] وقال :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملا على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها ، وإذا كان التوكيد مشتملا على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة . النوع السادس : في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب ، ولم يكونوا أهل حساب ، فبين اللّه تعالى ذلك بيانا قاطعا للشك والريب ، وهذا كما روي أنه قال في الشهر : هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثا ، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبها بالإشارة الأولى على ثلاثين ، وبالثانية على تسعة وعشرين . النوع السابع : أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط ، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه . النوع الثامن : أن قوله :
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ
يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام ، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الإشكال ، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة . النوع التاسع : أن اللفظ وإن كان خبرا لكن المعنى أمر والتقدير : فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابرا للخلل الواقع في ذلك الحج ، الذي يجب أن يكون تاما كاملا ، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاما ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكدا جدا فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ، ومبالغة الشرع في إيجابه . النوع العاشر : أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج ، فليس
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 311 | فخر الدين الرازي