تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
من أصحابنا ، وقال أبو يوسف ومحمد : القران أفضل ، ثم التمتع ، ثم الإفراد ، حجة الشافعي رضي اللّه عنه في أن الإفراد أفضل من وجوه الأول : التمسك بقوله تعالى :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
والاستدلال به من ثلاثة أوجه الأول : أن الآية اقتضت عطف العمرة على الحج ، والعطف يستدعي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والمغايرة لا تحصل إلا عند الإفراد ، فأما عند القران فالموجود شيء واحد ، وهو حج وعمرة وذلك مانع من صحة العطف الثاني : قوله :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
يقتضي الإفراد ، بدليل أنه تعالى قال :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
والقارن يلزمه هديان عند الحصر ، وأيضا أنه تعالى أوجب على الخلق عند الأداء فدية واحدة ، والقارن يلزمه فديتان عند الحصر الثالث : هذه الآية تدل على وجوب الإتمام ، والإتمام لا يحصل إلا عند الإفراد ويدل عليه وجهان الأول : أن السفر مقصود في الحج ، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج من وطنه ، ولولا أن السفر مقصود في الحج لكان يحج عنه من أدنى المواقيت ، ويدل عليه أيضا أنهم قالوا لو نذر أن يحج ماشيا وحج راكبا يلزمه دم ، فثبت أن السفر مقصود والقران يقتضي تقليل السفر ، لأن بسببه يصير السفران سفرا واحدا ، فثبت أن الإتمام لا يحصل إلا بالافراد الثاني : أن الحج لا معنى له إلا زيارة بقاع مكرمة ، ومشاهد مشرفة ، والحاج زائر اللّه ، واللّه تعالى مزوره ، ولا شك أنه كلما كانت الزيارة والخدمة أكثر كان موقعها عند المخدوم أعظم ، وعند القران تنقلب الزيارتان زيارة واحدة ، بل الحق أن جملة أنواع الطاعات في الحج وفي العمرة تكرر عند الإفراد ، وتصير واحدة عند القران ، فثبت أن الإفراد أقرب إلى التمام ، فكان الإفراد إن لم يكن واجبا عليكم بحكم هذه الآية فلا أقل من كونه أفضل . الحجة الثانية : في بيان أن الإفراد أفضل : أن الإفراد يقتضي كونه آتيا بالحج مرة ، ثم بالعمرة بعد ذلك ، فتكون الأعمال الشاقة في الأفراد أكثر فوجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام : « أفضل الأعمال أحمزها » أي أشقها . الحجة الثالثة : أنه عليه السلام كان مفردا فوجب أن يكون الإفراد أفضل ، أما قولنا : إنه كان مفردا فاعلم أن الصحابة اختلفت رواياتهم في هذا المعنى ، فروى مسلم في صحيحة عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أفرد بالحج ، و روى جابر وابن عمر أنه أفرد ، وأما أنس فقد روي عنه أنه قال : كنت واقفا عند جران ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فكان لعابها يسيل على كتفي ، فسمعته يقول « لبيك بحج وعمرة معا » ثم الشافعي رضي اللّه عنه رجح رواية عائشة رضي اللّه عنها وجابر وابن عمر على رواية أنس من وجوه أحدها : بحال الرواة ، أما عائشة فلأنها كانت عالمة ، ومع علمها كانت أشد الناس التصاقا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وأشد الناس وقوفا على أحواله ، وأما جابر فإنه كان أقدم صحبة للرسول صلى اللّه عليه وسلّم من أنس ، وإن إنسا كان صغيرا في ذلك الوقت قبل العلم ، وأما ابن عمر فإنه كان مع فقهه أقرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من غيره ، لأن أخته حفصة كانت زوجة النبي صلى اللّه عليه وسلّم والثاني : أن عدم القران متأكد بالاستصحاب والثالث : أن الإفراد يقتضي تكثير العبادة ، والقران يقتضي تقليلها ، فكان إلحاق الإفراد بالنبي عليه الصلاة والسلام أولى ، وإذا ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان مفردا وجب أن يكون الإفراد أفضل لأنه عليه الصلاة والسلام كان يختار الأفضل لنفسه ، ولأنه قال : « خذوا عني مناسككم » أي تعلموا مني . الحجة الرابعة : أن الإفراد يقتضي تكثير العبادة ، والقران يقتضي تقليلها ، فكان الأول أولى ، لأن المقصود