تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
اعلم أنه تعالى لما أجاب بالجواب الجدلي أولًا ، ذكر بعده جواباً برهانياً في هذه الآية وهو : أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم السلام ظهور المعجز عليهم ، ولما ظهر المعجز على يد محمد صلى اللّه عليه وسلّم وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته ، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلًا ، فهذا هو المراد من قوله :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا
إلى آخر الآية ، وهذا هو الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية . فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة ، قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة ، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه ، وأنكروا نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلّم مع قيام المعجز على يده ، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق ، ثم نقول في الآية مسائل : [ قوله تعالى
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
] المسألة الأولى : أن اللّه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا :
كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى
[ البقرة : 135 ] ذكروا في مقابلته للرسول عليه السلام :
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
[ البقرة : 135 ] ثم قال لأمته :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
وهذا قول الحسن وقال القاضي قوله :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
يتناول جميع المكلفين ، أعني النبي عليه السلام وأمته ، والدليل عليه وجهان : أحدهما : أن قوله :
قُولُوا
خطاب عام فيتناول الكل . الثاني : أن قوله :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا
لا يليق إلا به صلى اللّه عليه وسلّم ، فلا أقل من أن يكون هو داخلًا فيه ، واحتج الحسن على قوله بوجهين . الأول : أنه عليه السلام أمر من قبل بقوله :
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
. الثاني : أنه في نهاية الشرف ، والظاهر إفراده بالخطاب . والجواب : أن هذه القرائن وإن كانت محتملة إلا أنها لا تبلغ في القوة إلى حيث تقتضي تخصيص عموم قوله :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
أما قوله :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
فإنما قدمه لأن الإيمان باللّه أصل الإيمان بالشرائع ، فمن لا يعرف اللّه استحال أن يعرف نبياً أو كتاباً ، وهذا يدل على فساد مذهب التعليمية والمقلدة القائلين بأن طريق معرفة اللّه تعالى : الكتاب والسنة . أما قوله :
وَالْأَسْباطِ
قال الخليل : السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب ، وقال صاحب « الكشاف » السبط ، الحافد ، وكان الحسن والحسين سبطي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، والأسباط : الحفدة وهم حفدة يعقوب عليه السلام وذراري أبنائه الإثنى عشر . أما قوله :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
ففيه وجهان . الأول : أنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز . الثاني : لا نفرق بين أحد منهم ، أي لا نقول : إنهم متفرقون في أصول الديانات ، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام ، كما قال اللّه تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
. الوجه الأول : أليق بسياق الآية . أما قوله :
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
فالمعنى أن إسلامنا لأجل طاعة اللّه تعالى لا لأجل الهوى ، وإذا كان كذلك فهو يقتضي أنه متى ظهر المعجز وجب الإيمان به . فأما تخصيص بعض أصحاب المعجزات بالقبول ، والبعض بالرد ، فذلك يدل على أن المقصود من ذلك الإيمان ليس طاعة اللّه والانقياد له ، بل اتباع الهوى والميل .