والمعقول غير المغفول عنه ، ثم تلك الموجدية حادثة ، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى ، ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان اللّه / تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى اللّه تعالى ، ولا يلزمنا ذلك في موجدية اللّه تعالى لأنه قديم ، فكانت موجوديته قديمة ، فلا يلزم افتقار تلك الموجودية إلى موجودية أخرى هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقين في الألفاظ والمعاني كثيرة واللّه الهادي .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 135 ]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 )
اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعاً من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام .
الشبهة الأولى : حكى عنهم أنهم قالوا :
كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة ، بل أصروا على التقليد ، فأجابهم اللّه تعالى عن هذه الشبهة من وجوه . الأول : ذكر جواباً إلزامياً وهو قوله :
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم ، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد ، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر ، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم عليه السلام وترك اليهودية والنصرانية أولى .
[ الشبهة الثانية ] فإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعى أنه على دين إبراهيم عليه السلام .
قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلًا بالتوحيد ، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث ، واليهود يقولون بالتشبيه ، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السلام ، وأن محمداً عليه السلام لما دعا إلى التوحيد ، كان هو على دين إبراهيم .
ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى
فلا يجوز أن يكون المراد به التخيير ، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر . والمعلوم من حال النصارى أيضاً ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله :
تَهْتَدُوا
أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة . أما قوله :
بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
ففي انتصاب ملة أربعة أقوال . الأول : لأنه عطف في المعنى على قوله :
كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى
وتقديره قالوا : اتبعوا / اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم . الثاني : على الحذف تقديره : بل نتبع ملة إبراهيم . الثالث : تقديره : بل نكون أهل ملة إبراهيم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] أي أهلها . الرابع : التقدير : بل اتبعوا ملة إبراهيم ، وقرأ الأعرج :
ملة إبراهيم بالرفع أي ملته ملتنا ، أو ديننا ملة إبراهيم ، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبراً أما قوله :
حَنِيفاً
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لأهل اللغة في الحنيف قولان . الأول : أن الحنيف هو المستقيم ، ومنه قيل للأعرج :