تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
البحث الرابع : لما عرفت أن
يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
قرئ تارة بالتاء المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت ، وقوله :
أَنَّ الْقُوَّةَ
قرئ تارة بفتح الهمزة من ( أن ) وأخرى بكسرها حصل هاهنا أربع احتمالات . الاحتمال الأول : أن يقرأ
وَلَوْ يَرَى
بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من ( أن ) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير : ولو يرون أن القوة للّه : ومعناه ، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب اللّه وقوته لما اتخذوا من دونه أندادا فعلى هذا جواب ( لو ) محذوف وهو كثير في التنزيل كقوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
[ الأنعام : 27 ] ،
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ
[ الأنعام : 93 ] ،
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ
[ الرعد : 31 ] ويقولون : لو رأيت فلانا والسياط تأخذ منه ، قالوا : وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد . الاحتمال الثاني : أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من ( إن ) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب اللّه لقالوا : إن القوة للّه . الاحتمال الثالث : أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع فتح الهمزة من ( أن ) وهي قراءة نافع وابن عامر قال الفراء : الوجه فيه تكرير الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة للّه جميعا . الاحتمال الرابع : أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع كسر الهمزة ، وتقديره : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت أن القوة للّه جميعا ، وهذا أيضا تأويل ظاهر جيد . المسألة الثانية : إن قيل : كيف جاء قوله :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
وهو مستقبل مع قوله :
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
و ( إذ ) للماضي ؟ قلنا : إنما جاء على لفظ المضي لأن وقوع الساعة قريب ، قال تعالى :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
[ النحل : 77 ] وقال :
لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
[ الشورى : 17 ] وكل ما كان قريب الوقوع فإنه يجري مجرى ما وقع وحصل وعلى هذا التأويل قال تعالى :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 44 ] وقول المقيم : قد قامت الصلاة يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم للصلاة لقرب ذلك وقد جاء كثير في التنزيل من هذا الباب قال تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا *
[ الأنعام : 27 ] ،
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ *
[ سبأ : 31 ] ،
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا
[ سبأ : 51 ] ،
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى
[ الأنفال : 50 ] .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 166 إلى 167 ]

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 ) اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون اللّه أندادا بقوله :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
[ البقرة : 165 ] على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرءون