تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
في تخريب بيت المقدس وأيضاً فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر ، فكيف أعانوا على تخريبه . وثالثها : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى اللّه بمكة وألجؤه إلى الهجرة ، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا اللّه في المسجد الحرام ، وقد كان الصديق رضي اللّه عنه بنى مسجداً عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم ، وقيل : إن قوله تعالى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها
[ الإسراء : 110 ] نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى ، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر لنبي صلى اللّه عليه وسلّم فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون اللّه ولا يشركون به شيئاً ويصلون له تذللًا وخشوعاً ، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه ، وألسنتهم بالذكر له ، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه . ورابعها : قال أبو مسلم : المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية ، واستشهد بقوله تعالى :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ الفتح : 25 ] وبقوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ الأنفال : 34 ] وحمل قوله :
إِلَّا خائِفِينَ
بما يعلى اللّه من يده ، ويظهر من كلمته ، كما قال في المنافقين :
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
[ الأحزاب : 60 - 61 ] وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة ، ولعلهم سعوا أيضاً في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها ، وسعوا أيضاً في تخريب مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة ، فعابهم اللّه بذلك وبين سوء طريقتهم فيه ، وهذا التأويل أولى مما قبله ، وذلك لأن اللّه تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود / والنصارى ، وذكر أيضاً بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام ، وأما حمل الآية على سعى النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضاً على ما شرحه أبو بكر الرازي ، فلم يبق إلا ما قلناه . المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط ، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا ، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله :
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ
[ البقرة : 113 ] وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم ، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين . المسألة الثالثة : قوله :
مَساجِدَ اللَّهِ
عموم فمنهم من قال : المراد به كل المساجد ، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة ، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي اللّه عنه مسجد بمكة يدعو اللّه فيه ، فخربوه قبل الهجرة ، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه . أحدها : هذا كمن يقول لمن آذى صالحاً واحداً : ومن أظلم ممن آذى الصالحين . وثانيها : أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجداً واحداً بل مساجد .