أما قوله تعالى :
وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ
فالواو وللحال ، والكتاب للجنس . أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب ، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب اللّه وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته ، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام ، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام .
أما قوله تعالى :
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالما لكي يصح هذا الفرق ، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لا يعلم ، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن ، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه . أولها : أنهم كفار العرب الذين قالوا : إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرءون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه . وثانيها : أنه إذا حملنا قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ
على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، حملنا قوله :
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
على المعاندين وعكسه أيضا محتمل . وثالثها : أن يحمل قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ
على علمائهم ويحمل قوله :
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم ، والأول أقرب : لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله :
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
يجب أن يكون غيرهم .
أما قوله تعالى :
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
ففيه أربعة أوجه . أحدها : قال الحسن : يكذبهم جميعا ويدخلهم النار . وثانيها : حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب . وثالثها : يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا ، وهو قول الزجاج . ورابعها : يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه واللّه أعلم .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 114 ]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 )
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : اجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء ، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن اللّه يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها ، ثم أن اللّه تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه . أولها : قال ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة ، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر . وثانيها : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود .
قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر