تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
ففيه سؤالان : السؤال الأول : هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم . الجواب : في هذا خلاف ، لأن من يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم ، لئلا يتوهموا فيهم المباينة ، ومن يقول في الشياطين : المراد بهم الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كل المنافقين ، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم أكابرهم ، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين ، لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض ، وأما أصاغرهم فلا . السؤال الثاني : لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية ، وشياطينهم بالجملة الاسمية محققة « بأن » الجواب : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين ، لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه ، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة ، وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين ، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم ، فلا جرم كان التأكيد لائقاً به . أما قوله :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
ففيه سؤالان . السؤال الأول : ما الاستهزاء ؟ الجواب : أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع ، وهزأ يهزأ مات على مكانه ، وناقته تهزأ به أي تسرع ، وحده أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية ، فعلى هذا قولهم :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على أسرارهم ، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم . السؤال الثاني : كيف تعلق قوله :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
بقوله :
إِنَّا مَعَكُمْ
الجواب : هو توكيد له ، لأن قوله :
إِنَّا مَعَكُمْ
معناه الثبات على الكفر وقوله :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
رد للإسلام ، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته ، أو بدل منه ، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر ، أو استئناف ، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا : إنا معكم ، فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام ؟ فقالوا : إنما نحن مستهزئون . واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء . أحدها : قوله :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
وفيه أسئلة . الأول : كيف يجوز وصف اللّه تعالى بأنه يستهزئ وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس ، وهو على اللّه محال ، ولأنه لا ينفك عن الجهل ، لقوله :
قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ البقرة : 67 ] والجهل على اللّه محال والجواب : ذكروا في التأويل خمسة أوجه : أحدها : أن ما يفعله اللّه بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء ، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ]
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 194 ]
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ النساء : 142 ]
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ آل عمران : 54 ] وقال عليه السلام : « اللهم إن فلاناً هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه ، اللهم والعنه عدد ما هجاني » أي أجزه جزاء هجائه ، وقال عليه السلام : « تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن اللّه لا يمل حتى تملوا » وثانيها : أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين ، فيصير كأن اللّه استهزأ بهم . وثالثها : أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء ، والمراد حصول الهوان لهم تعبيراً بالسبب عن المسبب . ورابعها : إن استهزاء اللّه بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند اللّه خلافها في الآخرة ، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمراً مع أن الحاصل منهم في السر خلافه ، وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر