الفصل السادس في الكبرياء والعظمة
الكبرياء والعظمة :
أعظم المخلوقات جلالة ومهابة المكان والزمان : أما المكان فهو الفضاء الذي لا نهاية له ، والخلاء الذي لا غاية له ، وأما الزمان فهو الامتداد المتوهم الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل إلى ظلمات عالم الأبد ، كأنه نهر خرج من قعر جبل الأزل وامتد حتى دخل في قعر جبل الأبد فلا يعرف لانفجاره مبدأ ، ولا لاستقراره منزل ، فالأول والآخر صفة الزمان ، والظاهر والباطن صفة المكان ، وكمال هذه الأربعة الرحمن الرحيم ، فالحق سبحانه وسع المكان ظاهراً وباطناً ، ووسع الزمان أولًا وآخراً ، وإذا كان مدبر المكان والزمان هو الحق تعالى كان منزهاً عن المكان والزمان .
إذا عرفت هذا فنقول : الحق سبحانه وتعالى له عرش ، وكرسي ، فعقد المكان بالكرسي فقال :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ البقرة : 255 ] وعقد الزمان بالعرش فقال :
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[ هود : 7 ] لأن جري الزمان يشبه جري الماء ، فلامكان وراء الكرسي ، ولا زمان وراء العرش ، فالعلو صفة الكرسي وهو قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
والعظمة صفة العرش وهو قوله :
فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
[ التوبة : 129 ] وكمال العلو والعظمة للّه كما قال :
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[ البقرة : 255 ] .
واعلم أن العلو والعظمة درجتان من درجات الكمال ، إلا أن درجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو ، وفوقهما درجة الكبرياء قال تعالى : « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري » ، ولا شك أن الرداء أعظم من الإزار ، وفوق جميع هذه الصفات بالرتبة والشرف صفة الجلال ، وهي تقدسه في حقيقته المخصوصة وهويته المعينة عن مناسبة شيء من الممكنات ، وهو لتلك الهوية المخصوصة استحق صفة الإلهية ، فلهذا المعنى
قال عليه الصلاة والسلام : « ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام » ،
وقال :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 27 ] وقال :
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 78 ] إذا عرفت هذا الأصل فاعلم أن المصلي إذا قصد الصلاة صار من جملة من قال اللّه في صفتهم :
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ *
[ الأنعام : 52 ، الكهف : 28 ] ومن أراد الدخول على السلطان العظيم وجب عليه أن يطهر نفسه من الأدناس والأنجاس ، ولهذا التطهير مراتب : المرتبة الأولى : التطهير من دنس الذنوب بالتوبة ، كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
[ التحريم : 8 ] ومن كان في مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها ، ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله ، ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته ، ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى اللّه ، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية ، كما قال تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
[ الروم : 30 ] فإذا أردت أن تكون من جملة من قال اللّه فيهم :
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ *
فقم قائماً واستحضر في نفسك جميع مخلوقات اللّه تعالى من عالم الأجسام والأرواح وذلك بأن تبتدئ من نفسك وتستحضر في عقلك