تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
تعالى :
إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الكهف : 14 ] بل قم قيام أهل القيامة وهو قوله تعالى :
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ المطففين : 6 ] ثم اقرأ سبحانك اللهم ، وبعده وجهت وجهي ، وبعده الفاتحة ، وبعدها ما تيسر لك من القرآن ، واجتهد في أن تنظر من اللّه إلى عبادتك حتى تستحقرها وإياك أن تنظر من عبادتك إلى اللّه ، فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين ، وهذا سر قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
. واعلم أن النفس الآن جارية مجرى خشبة عرضتها على نار خوف الجلال فلانت ، فاجعلها محنية بالركوع فقل : سمع اللّه لمن حمده ، ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى ، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة اللّه ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بنهاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو ، وقل : سبحان ربي الأعلى ، فإذا أتيت بالسجدة الثانية فقد حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة : الركوع الواحد ، والسجودان ، وبها تنجو من العقبات الثلاث المهلكة ، فبالركوع تنجو عن عقبة الشهوات ، وبالسجود الأول تنجو عن عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات ، وبالسجود الثاني تنجو عن عقبة الهوى الذي هو الداعي إلى كل المهلكات والمضلات ، فإذا تجاوزت هذه العقبات وتخلصت عن هذه الدركات فقد وصلت إلى الدرجات العاليات ، وملكت الباقيات الصالحات ، وانتهيت إلى عتبة جلال مدبر الأرض والسماوات ، فقل عند ذلك التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّه ، فالتحيات المباركات باللسان ، والصلوات بالأركان ، والطيبات بالجنان وقوة الإيمان ، ثم في هذا المقام يصعد نور روحك وينزل نور روح محمد صلى اللّه عليه وسلم / فيتلاقى الروحان ، ويحصل هناك الروح والراحة والريحان ، فلا بد لروح محمد عليه الصلاة والسلام من محمدة وتحية ، فقل : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، فعند ذلك يقول محمد عليه الصلاة والسلام : « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » ، وكأنه قيل لك فهذه الخيرات والبركات بأي وسيلة وجدتها ؟ وبأي طريق وصلت إليها ؟ فقل بقولي : « أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه ، فقيل لك أن محمداً هو الذي هداك إليه ، فأي شيء هديتك له ؟ فقل : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، فقيل لك : إن إبراهيم هو الذي طلب من اللّه أن يرسل إليك مثل هذا الرسول فقال :
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
[ البقرة : 129 ] فما جزاؤك له ؟ فقل : كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، فيقال لك : فكل هذه الخيرات من محمد أو من إبراهيم أو من اللّه ؟ فقل : بل من الحميد المجيد إنك حميد مجيد . ثم إن العبد إذا ذكر اللّه بهذه الأثنية والمدائح ذكره اللّه تعالى في محافل الملائكة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن اللّه عز وجل : « إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه » فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى هذا العبد فقال اللّه : « إن ملائكة السماوات اشتاقوا إلى زيارتك وأحبوا القرب منك ، وقد جاؤوك فابدأ بالسلام عليهم لتحصل لك فيه مرتبة السابقين ، فيقول العبد عن يمينه وعن شماله : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته فلا جرم أنه إذا دخل الجنة الملائكة يدخلون عليه من كل باب فيقولون :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
[ الرعد : 24 ] .