علي آنفا سورة فقرأ * ( بسم الله الرحمن الرحيم ، إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر
إن شانئك هو الأبتر ) * ثم قال : أتدرون ما الكوثر ؟ قال : وذكر الحديث ، رواه أحمد ومسلم
والنسائي .
تمام الحديث : قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : إنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير ، وهو
حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد نجوم السماء فيختلج العبد منهم ، فأقول : رب
إنه من أمتي ؟ فيقول : ما تدري ما أحدث بعدك هذا الحديث من جملة أدلة من أثبت البسملة
وقد تقدم ذكرهم . ومن أدلتهم على إثباتها ما ثبت في المصاحف منها بغير تمييز ، كما ميزوا
أسماء السور وعدد الآي بالحمرة أو غيرها مما يخالف صورة المكتوب قرآنا . ( وأجاب
عن ذلك القائلون ) بأنها ليست من القرآن ، أنها ثبتت للفصل بين السور ، وتخلص القائلون
بإثباتها عن هذا الجواب بوجوه : الأول أن هذا تغرير ولا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل .
الثاني : لو كان للفصل لكتبت بين براءة والأنفال ولما كتبت في أول الفاتحة . الثالث : أن
الفصل كان ممكنا بتراجم السور كما حصل بين براءة والأنفال . ومن جملة حجج المثبتين ما تقدم
من الأحاديث المصرحة بأنها آية من الفاتحة ، وأجاب من لم يثبتها بأن القرآن لا يثبت
إلا بالتواتر ولا تواتر لا سيما مع ورود الأدلة الدالة على أنها ليست بقرآن ، كحديثي أبي هريرة
المتقدم ذكرهما في هذا الباب ، وحديث إتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقوله : * ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) * ( سورة العلق : 1 ) رواه البخاري ومسلم وسائر الأحاديث المتقدمة
في الباب الأول . وبإجماع أهل العدد على ترك عدها آية من غير الفاتحة ، وتخلص المثبتون
عن قولهم لا يثبت القرآن إلا بالتواتر بوجهين : الأول أن إثباتها في المصحف في معنى
التواتر ، وقد صرح عضد الدين أن الرسم دليل علمي . الثاني : أن التواتر إنما يشترط فيما
يثبت قرآنا على سبيل القطع ، فأما ما ثبت قرآنا على سبيل الحكم فلا ، والبسملة قرآن
على سبيل الحكم . ( ومن جملة ) ما أجيب به أن عدم تواترها ممنوع لأن بعض القراء السبعة
أثبتها ، والقراءات السبع متواترة فيلزم تواترها ، والاختلاف لا يستلزم عدم التواتر ،
فكثيرا ما يقع لبعض الباحثين ولا يقع لمن لم يبحث كل البحث ، ومحل البحث الأصول ،
فمن رام الاستيفاء فليراجع مطولاته .
وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف
فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم رواه أبو داود .
نيل الأوطار — صفحة 228
مساهمون: الشوكاني
ص٢٢٨