تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
الْغَفُورُ الْوَدُودُ
يقول تعالى ذكره : وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه ، وذو المحبة له . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
الْغَفُورُ الْوَدُودُ
يقول : الحبيب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله :
الْغَفُورُ الْوَدُودُ
قال الرحيم . وقوله :
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ
يقول تعالى ذكره : ذو العرش الكريم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ
يقول : الكريم . واختلفت القراء في قراءة قوله :
الْمَجِيدُ
فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والبصرة وبعض الكوفيين رفعا ، ردا على قوله :
ذُو الْعَرْشِ
على أنه من صفة الله تعالى ذكره . وقرأ ذلك عامه قراء الكوفة خفضا ، على أنه من صفة العرش . والصواب من القول في ذلك عندنا : أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
يقول : هو غفار لذنوب من شاء من عباده إذا تاب وأناب منها ، معاقب من أصر عليها وأقام ، لا يمنعه مانع من فعل أراد أن يفعله ، ولا يحول بينه وبين ذلك حائل ، لأن له ملك السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم . وقوله :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : هل جاءك يا محمد حديث الجنود ، الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ومكروههم ؛ يقول : قد أتاك ذلك وعلمته ، فاصبر لأذى قومك إياك ، لما نالوك به من مكروه ، كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي ، ولا يثنيك عن تبليغهم رسالتي ، كما لم يثن الذين أرسلوا إلى هؤلاء ، فإن عاقبة من لم يصدقك ويؤمن بك منهم إلى عطب وهلاك ، كالذي كان من هؤلاء الجنود ، ثم بين جل ثناؤه عن الجنود من هم ؟ فقال :
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
يقول : فرعون ، فاجتزئ بذكره ، إذ كان رئيس جنده ، من ذكر جنده وتباعه . وإنما معنى الكلام : هل أتاك حديث الجنود فرعون وقومه وثمود ؛ وخفض فرعون ردا على الجنود ، على الترجمة عنهم ، وإنما فتح لأنه لا يجرى وثمود . القول في تأويل قوله تعالى :
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ
يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء القوم الذين يكذبون بوعيد الله ، أنهم لم يأتهم أنباء من قبلهم من الأمم المكذبة رسل الله ، كفرعون وقومه ، وثمود وأشكالهم ، وما أحل الله بهم من النقم ، بتكذيبهم الرسل ، ولكنهم في تكذيب بوحي الله وتنزيله ، إيثارا منهم لأهوائهم ، واتباعا منهم لسنن آبائهم
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
بأعمالهم ، محص لها ، لا يخفى عليه منها شيء ، وهو مجازيهم على جميعها . وقوله :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
يقول ، تكذيبا منه جل ثناؤه للقائلين للقرآن هو شعر وسجع : ما ذلك كذلك ، بل هو قرآن كريم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
يقول : قرآن كريم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد ، في قوله :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
قال : كريم . وقوله :
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
يقول تعالى ذكره : هو قرآن كريم ، مثبت في لوح محفوظ . واختلفت القراء في قراءة قوله :
مَحْفُوظٍ
فقرأ ذلك من قرأه من أهل الحجاز ، أبو جعفر القارئ ، وابن كثير . ومن قرأه من قراء الكوفة عاصم والأعمش وحمزة والكسائي ، ومن البصريين أبو عمرو
مَحْفُوظٍ
خفضا على معنى أن اللوح هو المنعوت بالحفظ . وإذا كان ذلك كذلك كان التأويل في لوح محفوظ من الزيادة فيه ، والنقصان