تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
قال : حرقوهم بالنار . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
يقول : حرقوهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن ابن أبزى
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
حرقوهم . وقوله :
ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا
يقول : ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم ، الذي فعلوا بالمؤمنين والمؤمنات من أجل إيمانهم بالله
فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ
في الآخرة
وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ
في الدنيا ، كما : حدثت عن عمار ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع
فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ
في الآخرة ،
وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ
في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا . . .
إِنَّ بَطْشَ
يقول تعالى ذكره : إن الذين أقروا بتوحيد الله ، وهم هؤلاء القوم الذين حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يقول : وعملوا بطاعة الله ، وأتمروا لأمره ، وانتهوا عما نهاهم عنه
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
يقول : لهم في الآخرة عند الله بساتين تجري من تحتها الأنهار والخمر واللبن والعسل
ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ
يقول : هذا الذي هو لهؤلاء المؤمنين في الآخرة ، هو الظفر الكبير بما طلبوا والتمسوا بإيمانهم بالله في الدنيا ، وعملهم بما أمرهم الله به فيها ورضيه منهم . وقوله :
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن بطش ربك يا محمد لمن بطش به من خلقه ، وهو انتقامه ممن انتقم منه لشديد ، وهو تحذير من الله لقوم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، أن يحل بهم من عذابه ونقمته ، نظير الذي حل بأصحاب الأخدود على كفرهم به ، وتكذيبهم رسوله ، وفتنتهم المؤمنين والمؤمنات منهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . . .
لِما يُرِيدُ هَلْ
اختلف أهل التأويل في معنى قوله :
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
فقال بعضهم : معنى ذلك : إن الله أبدى خلقه ، فهو يبتدئ ، بمعنى : يحدث خلقه ابتداء ، ثم يميتهم ، ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم ، كهيئتهم قبل مماتهم . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
يعني : الخلق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
قال : يبدئ الخلق حين خلقه ، ويعيده يوم القيامة وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنه هو يبدئ العذاب ويعيده . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
قال : يبدئ العذاب ويعيده . وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب ، وأشبههما بظاهر ما دل عليه التنزيل ، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ، وهو أنه يبدئ العذاب لأهل الكفر به ويعيد ، كما قال جل ثناؤه :
فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ
في الدنيا ، فأبدأ ذلك لهم في الدنيا ، وهو يعيده لهم في الآخرة . وإنما قلت : هذا أولى التأويلين بالصواب ، لأن الله اتبع ذلك قوله
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
فكان للبيان عن معنى شدة بطشه الذي قد ذكره قبله ، أشبه به بالبيان عما لم يجر له ذكر ؛ ومما يؤيد ما قلنا من ذلك وضوحا وصحة ، قوله :
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
فبين ذلك عن أن الذي قبله من ذكر خبره عن عذابه وشدة عقابه . وقوله :
وَهُوَ