في الدنيا ، فمزيل عنه الموت . وقيل : أخلده ، والمعنى : يخلده ، كما يقال للرجل الذي يأتي الأمر الذي يكون سببا لهلاكه : عطب والله فلان ، هلك والله فلان ، بمعنى : أنه يعطب من فعله ذلك ، ولما يهلك بعد ولم يعطب ؛ وكالرجل يأتي الموبقة من الذنوب : دخل والله فلان النار . وقوله :
كَلَّا
يقول تعالى ذكره :
ما ذلك كما ظن ، ليس ماله مخلده ، ثم أخبر جل ثناؤه أنه ها لك ومعذب على أفعاله ومعاصيه ، التي كان يأتيها في الدنيا ، فقال جل ثناؤه :
لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ
يقول : ليقذفن يوم القيامة في الحطمة ، والحطمة :
اسم من أسماء النار ، كما قيل لها : جهنم وسقر ولظى ، وأحسبها سميت بذلك لحطمها كل ما ألقي فيها ، كما يقال للرجل الأكول : الحطمة . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : " لينبذان في الحطمة " يعني : هذا الهمزة اللمزة وماله ، فثناه لذلك . وقوله :
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ
يقول : وأي شيء أشعرك يا محمد ما الحطمة ، ثم أخبره عنها ما هي ، فقال جل ثناؤه : هي
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
يقول :
التي يطلع ألمها ووهجها القلوب ؛ والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى . حكي عن العرب سماعا : متى طلعت أرضنا ؛ وطلعت أرضي : بلغت . وقوله :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
يقول تعالى ذكره : إن الحطمة التي وصفت صفتها عليهم ، يعني : على هؤلاء الهمازين اللمازين
مُؤْصَدَةٌ
يعني : مطبقة ؛ وهي تهمز ولا تهمز ؛ وقد قرئتا جميعا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا طلق ، عن ابن ظهير ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في مؤصدة : قال : مطبقة . حدثني عبيد بن أسباط ، قال : ثني أبي ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، في قوله :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
قال : مطبقة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، قال : في النار رجل في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف عام : يا حنان يا منان ، فيقول رب العزة لجبريل : أخرج عبدي من النار ، فيأتيها فيجدها مطبقة ، فيرجع فيقول : يا رب
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
فيقول : يا حبريل فكها ، وأخرج عبدي من النار ، فيفكها ، ويخرج مثل الخيال ، فيطرح على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما ودما . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
قال : مطبقة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن مضرس بن عبد الله ، قال : سمعت الضحاك
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
قال : مطبقة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
قال : عليهم مغلقة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
أي مطبقة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
قال : مطبقة . والعرب تقول : أوصد الباب : أغلق . وقوله :
فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة :
فِي عَمَدٍ
بفتح العين والميم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " في عمد " بضم العين والميم . والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، ولغتان صحيحتان . والعرب تجمع العمود : عمدا وعمدا ، بضم الحرفين وفتحهما ، وكذلك تفعل في جمع إهاب ، تجمعه : أهبا ، بضم الألف والهاء ، وأهبا بفتحهما ، وكذلك القضم ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة : أي مغلقة مطبقة عليهم ، وكذلك هو في قراءة عبد الله فيما بلغنا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن قتادة ، في قراءة عبد الله : " إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة " . وقال آخرون :
بل معنى ذلك : إنما دخلوا في عمد ، ثم مدت عليهم تلك العمد بعماد . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد