تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه ، ولا على لسان رسوله ، أنه عنى بذلك نوعا من أنواع الصواب ، والظاهر محتمل جميعه . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ . . .
يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
يقول تعالى ذكره :
ذلِكَ الْيَوْمُ
يعني : يوم القيامة ، وهو يوم يقوم الروح والملائكة صفا
الْحَقُّ
يقول : إنه حق كائن ، لا شك فيه . وقوله :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً
يقول : فمن شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحق ، والاستعداد له ، والعمل بما فيه النجاة له من أهواله
مَآباً
يعني : مرجعا ؛ وهو مفعل ، من قولهم : آب فلان من سفره ، كما قال عبيد :
وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً
قال : اتخذوا إلى الله مآبا بطاعته ، وما يقربهم إليه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
إِلى رَبِّهِ مَآباً
قال : سبيلا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان
مَآباً
يقول : مرجعا منزلا . وقوله :
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً
يقول : إنا حذرناكم أيها الناس عذابا قد دنا منكم وقرب . وذلك
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ
المؤمن
ما قَدَّمَتْ يَداهُ
من خير اكتسبه في الدنيا ، أو شرك سلفه ، فيرجو ثواب الله على صالح أعماله ، ويخاف عقابه على سيئها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن مبارك ، عن الحسن
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
قال : المرء المؤمن يحذر الصغيرة ، ويخاف الكبيرة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن محمد بن جحادة ، عن الحسن
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
قال : المرء المؤمن . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن محمد بن جحادة ، عن الحسن ، في قوله :
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
قال : المرء المؤمن . وقوله :
وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
يقول تعالى ذكره : ويقول الكافر يومئذ تمنيا لما يلقى من عذاب الله الذي أعده لأصحابه الكافرين به : يا ليتني كنت ترابا ، كالبهائم التي جعلت ترابا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي ، قالا : ثنا عوف ، عن أبي المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : إذا كان يوم القيامة ، مد الأديم ، وحشر الدواب والبهائم والوحش ، ثم يحصل القصاص بين الدواب ، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها ، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب ، قال لها : كوني ترابا ، قال : فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ؛ قال : وحدثني جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : إن الله يحشر الخلق كلهم ، كل دابة وطائر وإنسان ، يقول للبهائم والطير كونوا ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد ، عن إسماعيل بن رافع المدني ، عن يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن رجل من الأنصار ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يمضي الليل بين خلقه الجن والإنس والبهائم ، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء ، حتى إذا لم يبق