الآخرة بمن عصى ربه وكفر به ، أكبر يوم القيامة من عقوبة الدنيا وعذابها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
يعني بذلك عذاب الدنيا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال :
الله :
كَذلِكَ الْعَذابُ
أي عقوبة الدنيا
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
. حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
كَذلِكَ الْعَذابُ
قال : عذاب الدنيا : هلاك أموالهم : أي عقوبة الدنيا . وقوله :
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
يقول : لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن عقوبة الله لأهل الشرك به أكبر من عقوبته لهم في الدنيا ، لارتدعوا وتابوا وأنابوا ، ولكنهم بذلك جهال لا يعلمون .
القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . .
كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
يقول تعالى ذكره :
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ
الذين اتقوا عقوبة الله بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه
عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
يعني : بساتين النعيم الدائم . وقوله :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
يقول تعالى ذكره : أفنجعل أيها الناس في كرامتي ونعمتي في الآخرة الذين خضعوا لي بالطاعة ، وذلوا لي بالعبودية ، وخشعوا لأمري ونهي ، كالمجرمين الذي اكتسبوا المأثم ، وركبوا المعاصي ، وخالفوا أمري ونهي ؟ كلا ما الله بفاعل ذلك . وقوله :
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
أتجعلون المطيع لله من عبيده ، والعاصي له منهم في كرامته سواء . يقول جل ، ثناؤه : لا تسووا بينهما فأنهما لا يستويان عند الله ، بل المطيع له الكرامة الدائمة ، والعاصي له الهوان الباقي . القول في تأويل قوله تعالى :
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ . . .
إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ
.
يقول تعالى ذكره للمشركين به من قريش : ألكم أيها القوم بتسويتكم بين المسلمين والمجرمين في كرامة الله كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول من رسله بأن لكم ما تخيرون ، فأنتم تدرسون فيه ما تقولون .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
قال : فيه الذي تقولون تقرءونه : تدرسونه ، وقرأ :
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ
إلى آخر الآية . وقوله :
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ
يقول جل ثناؤه :
إن لكم في ذلك الذي تخيرون من الأمور لأنفسكم ، وهذا أمر من الله ، توبيخ لهؤلاء القوم وتقريع لهم فيما كانوا يقولون من الباطل ، ويتمنون من الأماني الكاذبة . وقوله :
أَمْ لَكُمْ
فيه
أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
يقول : هل لكم أيمان علينا تنتهي بكم إلى يوم القيامة ، بأن لكم ما تحكمون أي بأن لكم حكمكم ، ولكن الألف كسرت من " إن " لما دخل في الخبر اللام : أي هل لكم أيمان علينا بأن لكم حكمكم . القول في تأويل قوله تعالى :
سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ . . .
إِنْ كانُوا صادِقِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : سل يا محمد هؤلاء المشركين أيهم بأن لهم علينا أيمانا بالغة بحكمهم إلى يوم القيامة
زَعِيمٌ
يعني : كفيل به ، والزعيم عند العرب : الضامن والمتكلم عن القوم ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ
يقول : أيهم بذلك كفيل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة