وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : تلا قتادة : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال : الحمد لله الذي بينها . القول في تأويل قوله تعالى : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . . ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يقول تعالى ذكره : يستر عليكم ربكم ذنوبكم إذا أنتم فعلتم ذلك فيصفح عنكم ويعفو وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول : ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار وَمَساكِنَ طَيِّبَةً يقول : ويدخلكم أيضا مساكن طيبة فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ يعني في بساتين إقامة ، لا ظعن عنها . وقوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يقول : ذلك النجاء العظيم من نكال الآخرة وأهوالها . القول في تأويل قوله تعالى : وَأُخْرى تُحِبُّونَها . . . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا . . . قالَ الْحَوارِيُّونَ . . . عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ اختلف أهل العربية فيما نعتت به قوله وَأُخْرى فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : وتجارة أخرى ، فعلى هذا القول يجب أن يكون أخرى في موضع خفض عطفا به على قوله : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وقد يحتمل أن يكون رفعا على الابتداء . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : هي في موضع رفع . أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة ، ثم قال : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ مفسرا للأخرى . والصواب من القول في ذلك عندي القول الثاني ، وهو أنه معني به : ولكم أخرى تحبونها ، لأن قوله نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ مبين عن أن قوله وَأُخْرى في موضع رفع ، ولو كان جاء ذلك خفضا حسن أن يجعل قوله وَأُخْرى عطفا على قوله تِجارَةٍ فيكون تأويل الكلام حينئذ لو قرئ ذلك خفضا ، وعلى خلة أخرى تحبونها ، فمعنى الكلام إذا كان الأمر كما وصفت : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله ، يغفر لكم ذنوبكم ، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ، ولكم خلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها : نصر من الله لكم على أعدائكم ، وفتح قريب يعجله لكم . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدوهم ، وفتح عاجل لهم . وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة : " كونوا أنصارا لله " بتنوين الأنصار . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بإضافة الأنصار إلى الله . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، ومعنى الكلام : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، كونوا أنصار الله ، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يعني من أنصاري منكم إلى نصرة الله لي . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثني به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ قال : قد كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه . وذكر لنا أنه بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلا من الأنصار ، ذكر لنا أن بعضهم قال : هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلها أو يسلموا . وذكر لنا أن رجلا قال : يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، قال : أشترط لربي أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم " قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله ؟ قال : " لكم النصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة " ، ففعلوا ، ففعل الله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحه 59
پدیدآورندگان: محمد بن جرير الطبري
ص۵۹