أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ
فيما يحلفون عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ
. . . هُمُ الْخاسِرُونَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ
غلب عليهم الشيطان
فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ
يعني جنده وأتباعه .
أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ
يقول : ألا إن جند الشيطان وأتباعه هم الهالكون المغبونون في صفقتهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
. . . قَوِيٌّ عَزِيزٌ
يقول تعالى ذكره : إن الذين يخالفون الله ورسوله في حدوده ، وفيما فرض عليهم من فرائضه فيعادونه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
يقول : يعادون الله ورسوله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، بنحوه . حدثني محمد بن عمر ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
قال : يعادون ، يشاقون . وقوله :
أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ
يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين يحادون الله ورسوله في أهل الذلة ، لأن الغلبة لله ورسوله . وقوله :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
يقول :
قضى الله وخط في أم الكتاب ، لأغلبن أنا ورسلي من حادني وشاقني . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
الآية ، قال : كتب الله كتابا وأمضاه . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
يقول : إن الله جل ثناؤه ذو قوة وقدرة على كل من حاده ، ورسوله أن يهلكه ، ذو عزة فلا يقدر أحد أن ينتصر منه إذا هو أهلك وليه ، أو عاقبه ، أو أصابه في نفسه بسوء . القول في تأويل قوله تعالى :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ . . .
أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
. . . مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
. . . هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يعني جل ثناؤه بقوله :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لا تجد يا محمد قوما يصدقون الله ، ويقرون باليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله وشاقهما وخالف أمر الله ونهيه
وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ
يقول : ولو كان الذين حادوا الله ورسوله آباءهم
أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
وإنما أخبر الله جل ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه الآية " ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم " ليسوا من أهل الإيمان بالله ولا باليوم الآخر ، فلذلك تولوا الذين تولوهم من اليهود . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لا تجد يا محمد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ، يوادون من حاد الله ورسوله : أي من عادى الله ورسوله . وقوله :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
يقول جل ثناؤه : هؤلاء الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ، أو أبناءهم ، أو إخوانهم ، أو عشيرتهم ، كتب الله في قلوبهم الإيمان . وإنما عني بذلك :
قضى لقلوبهم الإيمان ، ففي بمعنى اللام ، وأخبر تعالى ذكره أنه كتب في قلوبهم الإيمان لهم ، وذلك لما كان الإيمان بالقلوب ، وكان معلوما بالخبر عن القلوب أن المراد به أهلها ، اجتزى بذكرها من ذكر أهلها . وقوله :
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
يقول : وقواهم ببرهان منه ونور وهدى .
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
يقول : ويدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار
خالِدِينَ فِيها
يقول :
ماكثين فيها أبدا .
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
بطاعتهم إياه في الدنيا
وَرَضُوا عَنْهُ
في الآخرة بإدخاله إياهم الجنة .
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ
يقول : أولئك الذين هذه صفتهم جند الله وأولياؤه .
أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
يقول : ألا إن جند الله وأولياءه .
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يقول : هم الباقون المنجحون بإدراكهم ما طلبوا ، والتمسوا ببيعتهم في الدنيا ، وطاعتهم ربهم .