اختلف أهل التأويل في المعني بقوله :
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
فقال بعضهم : عني بذلك : العظام المحترقة ، وكأنهم وجهوا معناه إلى أنه مثل هؤلاء القوم بعد هلاكهم وبلائهم بالشيء الذي أحرقه محرق في حظيرته .
ذكر من قال ذلك : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن الصلت ، قال ثنا أبو كدينة ، قال : ثنا قابوس ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
قال : كالعظام المحترقة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
قال : المحترق . ولا بيان عندنا في هذا الخبر عن ابن عباس ، كيف كانت قراءته ذلك ، إلا أنا وجهنا معنى قوله هذا على النحو الذي جاءنا من تأويله قوله :
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
إلى أنه كان يقرأ ذلك كنحو قراءة الأمصار ، وقد يحتمل تأويله ذلك كذلك أن يكون قراءته كانت بفتح الظاء من المحتظر ، على أن المحتظر نعت للهشيم ، أضيف إلى نعته ، كما قيل :
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ
وقد ذكر عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن ذلك كذلك ، ويتأولانه هذا التأويل الذي ذكرناه عن ابن عباس . حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : ثني أبي ، عن الحسن ، قال : كان قتادة يقرأ
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
يقول : المحترق . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
يقول : كهشيم محترق . وقال آخرون : بل عنى بذلك التراب .
الذي يتناثر من الحائط . ذكر من قال ذلك : حدثنا بن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
قال : التراب الذي يتناثر من الحائط . وقال آخرون : بل هو حظيرة الراعي للغنم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق وأسنده ، قال
الْمُحْتَظِرِ
حظيرة الراعي للغنم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
المحتظر : الحظرة تتخذ للغنم فتيبس ، فتصير كهشيم المحتظر ، قال : هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع والهشيم : يابس الشجر الذي فيه شوك ذلك الهشيم . وقال آخرون : بل عني به هشيم الخيمة ، وهو ما تكسر من خشبها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن مجاهد ، في قوله :
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
قال : الرجل يهشم الخيمة . وحدثني الحارث ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
الهشيم : الخيمة .
وقال آخرون : بل هو الورق الذي يتناثر من خشب الحطب . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان
كَهَشِيمِ
قال : الهشيم : إذا ضربت الحظيرة بالعصا تهشم ذاك الورق فيسقط . والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما . القول في قوله تعالى :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . . .
آلَ لُوطٍ . . .
مَنْ شَكَرَ
يقول تعالى ذكره : ولقد هونا القرآن بيناه للذكر : يقول : لمن أراد أن يتذكر به فيتعظ
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
يقول : فهل من متعظ به ومعتبر فيعتبر به ، فيرتدع عما يكرهه الله منه . وقوله :
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ
يقول تعالى ذكره : كذبت قوم لوط بآيات الله التي أنذرهم وذكرهم بها . وقوله :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً
يقول تعالى ذكره : إنا أرسلنا عليهم حجارة . وقوله :
إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ
يقول : غير آل لوط الذين صدقوه واتبعوه على دينه فإنا نجيناهم من العذاب الذي عذبنا به قومه الذين كذبوه ، والحاصب الذي حصبناهم به بسحر :
بنعمة من عندنا : يقول : نعمة أنعمناها على لوط وآله ، وكرامة أكرمناهم بها من عندنا . وقوله :
كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ
يقول : وكما أثبنا لوطا وآله ، وأنعمنا عليه ، فأنجيناهم من عذابنا بطاعتهم إيانا كذلك