من قرأه بالياء ، وهي قراءة عامة قراء أهل المدينة والبصرة وعاصم والكسائي ، فإنه قال الله :
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
وترك من الكلام ذكر قال الله ، استغناء بدلالة الكلام عليه . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان ، قد قرا بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لتقارب معنييهما ، وصحتهما في الإعراب والتأويل . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ . . .
شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
يقول تعالى ذكره : إنا باعثوا الناقة التي سألتها ثمود صالحا من الهضبة التي سألوه بعثتها منها آية لهم ، وحجة لصالح على حقيقة نبوته وصدق قوله . وقوله :
فِتْنَةً لَهُمْ
يقول : ابتلاء لهم واختبارا ، هل يؤمنون بالله ويتبعون صالحا ويصدقونه بما دعاهم إليه من توحيد الله إذا أرسل الناقة ، أم يكذبونه ويكفرون بالله ؟ وقوله :
فَارْتَقِبْهُمْ
يقول تعالى ذكره لصالح : إنا مرسلو الناقة فتنة لهم ، فانتظرهم ، وتبصر ما هم صانعوه بها
وَاصْطَبِرْ
يقول له واصطبر على ارتقابهم ولا تعجل وانتظر ما يصنعون بناقة الله . وقيل واصطبر وأصل الطاء تاء ، فجعلت طاء ، وإنما هو افتعل من الصبر . وقوله :
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ
يقول تعالى ذكره : نبئهم : أخبرهم أن الماء قسمة بينهم ، يوم غب الناقة ، وذلك أنها كانت ترد الماء يوما ، وتغب يوما ، فقال جل ثناؤه لصالح : أخبر قومك من ثمود أن الماء يوم غب الناقة قسمة بينهم ، فكانوا يقتسمون ذلك يوم غبها ، فيشربون منه ذلك اليوم ، ويتزودون فيه منه ليوم ورودها . وقد وجه تأويل ذلك قوم إلى أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة يوما لهم ويوما لها ، وأنه إنما قيل بينهم ، والمعنى : ما ذكرت عندهم ، لأن العرب إذا أرادت الخبر عن فعل جماعة بني آدم مختلطا بهم البهائم ، جعلوا الفعل خارجا مخرج فعل جماعة بني آدم ، لتغليبهم فعل بني آدم على فعل البهائم .
وقوله :
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
يقول تعالى ذكره : كل شرب من ماء يوم غب الناقة ، ومن لبن يوم ورودها محتضر يحتضرونه . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
قال : يحضرون بهم الماء إذا غابت ، وإذا جاءت حضروا اللبن . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
قال : يحضرون بهم الماء إذا غابت ، وإذا جاءت حضروا اللبن . القول في تأويل قوله تعالى :
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ . . .
صَيْحَةً
. . . الْمُحْتَظِرِ
يقول تعالى ذكره : فنادت ثمود صاحبهم عاقر الناقة قدار بن سالف ليعقر الناقة حضا منهم له على ذلك . وقوله :
فَتَعاطى فَعَقَرَ
يقول : فتناول الناقة بيده فعقرها .
وقوله :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
يقول جل ثناؤه لقريش : فكيف كان عذابي إياهم معشر قريش حين عذبتهم ألم أهلكهم بالرجفة . ونذر : يقول : فكيف كان إنذاري من أنذرت من الأمم بعدهم بما فعلت بهم وأحللت بهم من العقوبة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله :
فَتَعاطى فَعَقَرَ
قال : تناولها بيده
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
قال : يقال : إنه ولد زنية فهو من التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ، ولا يصلحون ، وهم الذين قالوا لصالح
لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
ولنقتلنهم . وقوله :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً
وقد بينا فيما مضى أمر الصيحة ، وكيف أتتهم ، وذكرنا ما روي في ذلك من الآثار ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
يقول تعالى ذكره فكانوا بهلاكهم بالصيحة بعد نضارتهم أحياء ، وحسنهم قبل بوارهم كيبس الشجر الذي حظرته بحظير حظرته بعد حسن نباته ، وخضرة ورقه قبل يبسه . وقد