خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء من قضائه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً . . .
مُسْتَقِيماً
. . . قَدِيراً
يقول تعالى ذكره لأهل بيعة الرضوان :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ
أيها القوم
مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
. اختلف أهل التأويل في هذه المغانم التي ذكر الله أنه وعدها هؤلاء القوم أي المغانم هي ، فقال بعضهم : هي كل مغنم غنمها الله المؤمنين به من أموال أهل الشرك من لدن أنزل هذه الآية على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
قال :
المغانم الكثيرة التي وعدوا : ما يأخذونها إلى اليوم . وعلى هذا التأويل هي كل مغنم غنمها . . . يحتمل الكلام أن يكون مرادا بالمغانم الثانية المغانم الأولى ، ويكون معناه عند ذلك ، فأثابهم فتحا قريبا ، ومغانم كثيرة يأخذونها ، وعدكم الله أيها القوم هذه المغانم التي تأخذونها ، وأنتم إليها واصلون عدة ، فجعل لكم الفتح القريب من فتح خيبر . ويحتمل أن تكون الثانية غير الأولى ، وتكون الأولى من غنائم خيبر ، والغنائم الثانية التي وعدهموها من غنائم سائر أهل الشرك سواهم . وقال آخرون : هذه المغانم التي وعد الله هؤلاء القوم هي مغانم خيبر . ذكر من قال ذلك : يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
قال : يوم خيبر ، قال : كان أبي زيد يقول ذلك . وقوله :
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
اختلف أهل التأويل في التي عجلت لهم ، فقال جماعة : غنائم خيبر والمؤخرة سائر فتوح المسلمين بعد ذلك الوقت إلى قيام الساعة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثناء عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
قال : عجل لكم خيبر . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
وهي خيبر . وقال آخرون : بل عنى بذلك الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
قال : الصلح . وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد ، وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر ، وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة ، ولم يفتحوا فتحا أقرب من بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها . وأما قوله :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً
فهي سائر المغانم التي غنمهموها الله بعد خيبر ، كغنائم هوازن ، وغطفان ، وفارس ، والروم . وإنما قلنا ذلك كذلك دون غنائم خيبر ، لأن الله أخبر أنه عجل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، ولما علم من صحة نيتهم في قتال أهلها ، إذ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن لا يفروا عنه ، ولا شك أن التي عجلت لهم غير التي لم تعجل لهم . وقوله :
وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ
يقول تعالى ذكره لأهل بيعة الرضوان : وكف الله أيدي المشركين عنكم . ثم اختلف أهل التأويل في الذين كفت أيديهم عنهم من هم ؟ فقال بعضهم : هم اليهود كف الله أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة
وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ
عن بيوتهم ، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر ، وكانت خيبر في ذلك الوجه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ،