تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
من هذه العدة ، وذلك إدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وتكفيره سيئاتهم بحسنات أعمالهم التي يعملونها عند الله لهم
فَوْزاً عَظِيماً
يقول : ظفرا منهم بما كانوا تأملوه ويسعون له ، ونجاة مما كانوا يحذرونه من عذاب الله عظيما وقد تقدم ذكر الرواية أن هذه الآية نزلت لما قال المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو تلا عليهم قول الله عز وجل
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
هذا لك يا رسول الله ، فماذا لنا ؟ تبيينا من الله لهم ما هو فاعل بهم . حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
إلى قوله :
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
فأعلم الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام . وقوله :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
على اللام من قوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
بتأويل تكرير الكلام
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
إنا فتحنا لك ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ، ولذلك لم تدخل الواو التي تدخل في الكلام للعطف ، فلم يقل : وليدخل المؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ . . .
مَصِيراً
. . . حَكِيماً
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ، وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ، وليعذب المنافقين والمنافقات ، بفتح الله لك يا محمد ، ما فتح لك من نصرك على مشركي قريش ، فيكبتوا لذلك ويحزنوا ، ويخيب رجاؤهم الذي كانوا يرجون من رؤيتهم في أهل الإيمان بك من الضعف والوهن والتولي عنك في عاجل الدنيا ، وصلي النار والخلود فيها في آجل الآخرة
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ
يقول : وليعذب كذلك أيضا المشركين والمشركات
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ
أنه لن ينصرك ، وأهل الإيمان بك على أعدائك ، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به ، وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع ، يقول تعالى ذكره : على المنافقين والمنافقات ، والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظن دائرة السوء ، يعني دائرة العذاب تدور عليهم به . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة
دائِرَةُ السَّوْءِ
بفتح السين . وقرأ بعض قراء البصرة " دائرة السوء " بضم السين . وكان الفراء يقول : الفتح أفشى في السين ؛ قال : وقلما تقول العرب دائرة السوء بضم السين ، والفتح في السين أعجب إلى من الضم ، لأن العرب تقول : هو رجل سوء ، بفتح السين ؛ ولا تقول : هو رجل سوء . وقوله :
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
يقول : ونالهم الله بغضب منه ، ولعنهم : يقول : وأبعدهم فأقصاهم من رحمته
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ
يقول : وأعد لهم جهنم يصلونها يوم القيامة
وَساءَتْ مَصِيراً
يقول : وساءت جهنم منزلا يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات ، والمشركون والمشركات . وقوله :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول جل ثناؤه : ولله جنود السماوات والأرض أنصارا على أعدائه ، إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم ، وسارعوا إلى ذلك بالطاعة منهم له
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
يقول تعالى ذكره : ولم يزل الله ذا عزة ، لا يغلبه غالب ، ولا يمتنع عليه مما أراده به ممتنع ، لعظم سلطانه وقدرته ، حكيم في تدبيره خلقه . القول في تأويل قوله تعالى
إِنَّا أَرْسَلْناكَ . . .
نَذِيراً
. . . أَصِيلًا
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ
يا محمد
شاهِداً
على أمتك بما أجابوك فيما دعوتهم إليه ، مما أرسلتك به إليهم من الرسالة ،
وَمُبَشِّراً
لهم بالجنة إن أجابوك إلى ما دعوتهم إليه من الدين القيم ، ونذيرا لهم عذاب الله إن هم تولوا عما جئتهم به من عند ربك . ثم اختلفت القراء في قراءة قوله :
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ